مقالات

المحاميه رحاب أبوبكر دقيقة تصنع وعياً … أم ترند يسرق العقول

لم تعد معركة الوعي اليوم تدور في الكتب والمجالس فقط بل تجري أمام شاشات الهواتف أيضا وبقوه حيث تتسلل ثواني معدودة لتصنع زيفا وتوجه سلوكا وتشكل الرأي العام وفي مقدمة المنصات يأتي “تيك توك” بفيديو قصير ومؤثرات جاذبة وخوارزمية تعرفك أكثر مما تعرف نفسك فتمنحك المزيد مما يسعدك سعاده مؤقته حتى تُصبح أنت ومحتواك في دائرة مغلقة من التكرار السؤال هنا ليس هل المنصة جيدة أم سيئة؟ بل السؤال كيف نستخدمها وماذا يحدث لوعينا أثناء الاستخدام؟

الوقت الذي يلتهم ويضيع عبر التمرير اللانهائي لا يذهب وحده يأخذ معه الانتباه والقدرة على التركيز ويزرع داخلنا مقارنات متواصلة بين حياتنا الواقعية وصورٍ مصقولة على الشاشة ومع تكرار المشاهدة يتحول “الترند” إلى معيار يقرر لنا ما هو الجميل وما هو الناجح دون أن نسأل من وضع هذا المعيار؟ ولأي غاية؟

الخطر الأكبر ليس فقط في محتوى تافه أو معلومة غير دقيقة بل في تعود التلقي بلا مساءلة نضحك نغضب نشارك ثم ننتقل تتراكم انطباعات سريعة بينما يتضاءل التفكير النقدي والتحقق من المصدر وهنا يتحدد مصير الوعي إما أن نستسلم لسرعة اللحظة أو نختار أن نتمهل قليلاً لنفكر قبل أن نصدّق ونميز قبل أن نشارك

المجتمع لا يحتاج إلى منع شامل أو قطيعة نحتاج إلى ثقافة استخدام رشيد على مستوى الفرد يبدأ الأمر من سؤال بسيط وهو لماذا أفتح التطبيق الآن؟ للتعلم؟ للترفيه؟ لتصفية الذهن؟ لأن ببساطه تحديد الهدف يختصر الوقت ويهذب الاختيار ثم يأتي بعدها الانضباط زمن محدد للمشاهدة وإرادة واضحة للإغلاق عند انتهاء المدة ومع كل تمرير لدينا أداة تربّي الخوارزمية زر “غير مهتم” للمحتوى الذي يهبط بالذوق العام ومتابعة واعية لمن يقدم قيمة حقيقية

على مستوى الأسرة الحوار يغني عن الأوامر لنسأل أبناءنا عما يشاهدون ونشاركهم التقييم ونقترح معا قوائم محتوى موثوقة ولنحافظ على مناطق خالية من السوشيال ميديا مثل مائدة الطعام ما قبل النوم أوقات المذاكرة والأهم من كل هذا وهي القدوة فطريقة استخدامنا نحن الأهل للكثير أو القليل بهدوء أو بإدمان أبلغ من أي نصيحه لأولادنا

أما المدرسة والجامعة فهما مدينتان لمهارة باتت ضرورة التربية الإعلامية لنتعلم كيف نتحقق من مصدر ونفكك التلاعب البصري ونكتب تعليق مسؤولًا ويمكن تحويل “الترند” إلى وسيلة نافعه عبر مسابقات محتوى نافع في العلوم والتاريخ والفنون حيث يبدع الطلاب في دقيقة معرفية راقية تنتشر كما تنتشر المقاطع الخفيفه

وصنّاع المحتوى يجب أن يكونوا أمام مسؤولية أخلاقية وجماليه ممكنة بلا إسفاف والضحك ممكن بلا إيذاء والاختلاف ممكن بلا تنمر والشفافية في الإعلانات ضرورة واحترام عقل المتابع فرض يمكن لكل فيديو أن ينتهي بسؤال يفكر فيه المتلقي والمشاهد أو مرجع موثوق أو خطوة عملية حتى لا ينتهي الأثر بانتهاء الفيديو او المحتوي

يبقى دور المنصات والسياسات وهي تملك أدوات أمتن للتبليغ والرقابة الأبوية وصرامة أكبر مع التحريض والعنف والتنمر وشراكات تدعم المحتوى التعليمي والثقافي ليتصدر قوائم المقترحات لا أن يظل في الظل حين تتلاقى مسؤولية الفرد والأسرة والمدرسة وصنّاع المحتوى والمنصة ننتقل من “ترند يسرق العقول” إلى ترندٍ نافع يضيف قيمة ويصون الذائقة

الحقيقة البسيطة أن الدقيقة التي يظهر فيها المحتوي ليست عدوا لنا ولكن العدو الحقيقي هو الاستسلام لها بلا وعي
يمكن للدقيقة أن تضيع ساعة ويمكن لها أن تفتح بابًا لمعرفة أو تلهم سلوكًا جميلًا ونحن من يقرر ماذا نشاهد؟ وبأي شعور نغلق الهاتف ؟
الوعي هنا ممارسة يومية أن نفكر قبل أن نشارك أن نسأل قبل أن نصدق أن نختار قبل أن ننزلق عندها فقط تصبح شاشاتنا أدوات في أيدينا لا قيودًا على عقولنا ويصبح الترند وسيلة لترسيخ كل ما هو جميل لا لسرقة العقول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى