حرب بلا بوصلة.. حين تتكلم واشنطن بصوتين – أخبار الجمهورية

كشفت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، عن مشهد أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة عسكرية، فبين تهديدات بالتصعيد ودعوات للتفاوض، تتشكل صورة ضبابية لاستراتيجية غير مكتملة الملامح، تثير تساؤلات عميقة حول أهداف الحرب وحدودها، وما إذا كانت واشنطن تدير صراعًا محسوبًا، أم تنزلق إلى مواجهة مفتوحة بلا بوصلة واضحة.
في هذا التقرير تلقي “تليجراف مصر” الضوء على التناقضات التي شهدتها تصريحات الإدارة الأمريكية ممثلة في الرئيس دونالد ترامب، خلال الأسابيع الماضية، والتي عكست حالة غير مسبوقة من التذبذب في إدارة أحد أخطر الصراعات في الشرق الأوسط.
تعدد الأهداف وغياب الهدف الرئيسي
في قلب تصريحات الرئيس الأمريكي، تتكشف إشكالية مركزية، وهي تضارب الأهداف المعلنة للحرب، حيث طرح ترمب مجموعة من الأهداف التي لا تبدو متكاملة بقدر ما تبدو متنافرة، وهي: القضاء على البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديدًا وجوديًا، ثم في تصريح آخر قال إن الهدف تغيير النظام السياسي في طهران وتحرير الشعب الإيراني من “الاستبداد”، بينما أكد في خطاب آخر أن الهدف من الحرب هو تدمير القدرات العسكرية والاقتصادية لإيران بالكامل.
هذا التعدد لا يعكس مرونة استراتيجية، بل يشير إلى غياب تسلسل منطقي للأهداف، ما جعل الخبراء والمحللين العسكريين يتساءلون: هل الهدف هو الاحتواء؟ أم الردع؟ أم إسقاط النظام؟ أم إعادة تشكيل إيران؟
في الاستراتيجيات العسكرية الكلاسيكية، من المفترض أن يكون الهدف محددًا وقابلًا للتحقيق، لكن في الحالة الأمريكية، يبدو أن الحرب تحولت إلى “حزمة أهداف” مفتوحة بلا تعريف دقيق لنقطة النهاية.

خطاب متقلب.. من إنهاء الحرب إلى توسيعها
أحد أبرز مظاهر الارتباك يتمثل في التناقض الزمني الحاد في التصريحات، ففي غضون أقل من 24 ساعة، انتقلت الإدارة الأمريكية من الحديث عن “اقتراب نهاية العمليات العسكرية” إلى إصدار تهديدات مباشرة باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وفرض مهلة زمنية لا تتجاوز 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز، وتوسيع دائرة الأهداف لتشمل البنية الاقتصادية.
هذا التحول السريع لا يعكس تكتيكًا محسوبًا بقدر ما يثير تساؤلات حول وحدة القرار داخل الإدارة: هل نحن أمام استراتيجية ضغط متعددة المراحل؟ أم أمام ردود فعل متسارعة على تطورات ميدانية غير محسوبة؟

التناقض بين الخطاب والميدان
بينما يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأكيده على رفض “التورط في حرب برية طويلة”، تشير الوقائع على الأرض إلى اتجاه مختلف تمامًا، حيث تم الإعلان عن نشر 3 سفن حربية إضافية في المنطقة، وإرسال 2500 من مشاة البحرية الأمريكية، ومن ثم وصول إجمالي القوات الأمريكية إلى نحو 50 ألف جندي في محيط الخليج، كما تم الإعلان عن تعزيز أنظمة الدفاع الجوي والبحري لحماية القواعد والممرات الاستراتيجية.
هذا التباين يعكس فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري، فالحديث عن تجنب الحرب البرية يتناقض مع استعدادات لوجستية قد تمهد فعليًا لانخراط أوسع إذا تطورت المواجهة.

التفاوض تحت النار.. معادلة مستحيلة
في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة، وآخرها الضربة الصاروخية الإيرانية المؤثرة على إسرائيل، تطرح واشنطن خيار التفاوض، لكن بشروط تبدو أقرب إلى الإملاء، وهي استسلام غير مشروط، وتفكيك البرنامج النووي بالكامل ،وتقليص النفوذ الإقليمي.
هذا النهج يضع إيران أمام معادلة شبه مستحيلة، خاصة أن التجارب التاريخية تشير إلى أن هذا النموذج نادرًا ما ينجح، بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث يدفع الطرف المستهدف إلى التشدد بدلًا من التنازل.
الأسواق ترتبك والاقتصاد يدفع الثمن
لم تبقِ هذه التناقضات حبيسة التصريحات السياسية، بل انعكست سريعًا على الاقتصاد العالمي، حيث تراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 1.5%، وارتفعت أسعار النفط والوقود بشكل ملحوظ، وزادت تكلفة التأمين على الشحن في الخليج، خاتصة مع اضطراب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
كما أثار قرار تخفيف بعض القيود على النفط الإيراني – رغم تصعيد الخطاب ضد طهران – حالة من التناقض الاقتصادي، حيث بدت السياسة الأمريكية وكأنها “تعاقب وتستفيد في الوقت ذاته”.
وفي تطور لافت ضمن مسار التصعيد المتسارع، تم استهداف حقول الغاز الإيرانية، وبينما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحفي أن بلاده لن تكرر استهداف حقول الغاز الإيرانية، استجابةً لطلب مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأشار إلى أن الضربة التي استهدفت منشأة مرتبطة بحقل “بارس الجنوبي” أحد أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم ، نُفذت بقرار إسرائيلي مستقل، إلا أن هذا الطرح قوبل بتشكيك، إذ نقلت شبكة CNN عن مصدر إسرائيلي مطلع أن العملية جرت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وهو ما دعمه أيضاً مصدر أمريكي، في تناقض واضح مع نفي ترامب المسبق لأي علم بالهجوم.
وانعكست هذه التطورات سريعًا على الأسواق، حيث قفزت أسعار الغاز بنحو 25% خلال 24 ساعة فقط، مع تحذيرات من تداعيات طويلة الأمد على الإمدادات العالمية.

الحلفاء في حالة قلق
لم يقتصر الارتباك على الداخل الأمريكي، بل امتد إلى الحلفاء، خاصة في أوروبا، حيث عكست التصريحات التي خرجت الأيام الماضية عن وجود قلق داخل حلف الناتو من غياب استراتيجية واضحة، وتخوف من الانجرار إلى صراع واسع دون رؤية مشتركة، وتباين في المواقف الأوروبية بين دعم مشروط وتحفظ حذر.
هذا التباين يعكس أزمة ثقة في القيادة الأمريكية، حيث لم تعد الرسائل الصادرة من واشنطن كافية لطمأنة الشركاء.
تكلفة مفتوحة لحرب غير محسومة
وفي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى إعلان “نصر سريع”، تشير التقديرات إلى طلب تمويل قد يصل إلى 200 مليار دولار لتغطية العمليات والتداعيات، هذا الرقم يكشف مفارقة واضحة: كيف يمكن لحرب يُفترض أن تكون “سريعة وحاسمة” أن تتطلب هذا الحجم من الموارد؟ وهل نحن أمام صراع قصير فعلًا، أم بداية استنزاف طويل الأمد؟
إيران واستثمار التناقض
في المقابل، لا تبدو طهران في عجلة من أمرها، بل على العكس، تستفيد من التناقضات الأمريكية عبر تعزيز خطاب الصمود داخليًا، وتوسيع هامش المناورة الإقليمية، واستخدام التصعيد المحدود لرفع كلفة المواجهة، فكلما زادت الضبابية في الموقف الأمريكي، زادت قدرة إيران على إعادة تموضعها سياسيًا وعسكريًا.

هل التناقض تكتيك أم أزمة؟
تكشف الصورة الكاملة عن مشهد معقد، حيث لم يعد التناقض مجرد خلل في الرسائل، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في مسار الصراع ذاته، فبين أهداف غير محددة، وخطاب متقلب، وواقع ميداني يتجه نحو التصعيد، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تدير حربًا دون تعريف واضح للنصر، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل هذا التناقض جزء من استراتيجية ضغط ذكية تهدف إلى إرباك الخصم؟، أم أنه انعكاس حقيقي لـ أزمة في صناعة القرار داخل واحدة من أكبر القوى في العالم؟.
“المعايطة” : التناقض “خداع استراتيجي” .. و”مسعد”: ترمب يحاول دائما إيجاد مخرج
من جانبه، اعتبر اللواء الدكتور صالح المعايطة، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن التباين الواضح في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا يعكس ارتباكًا بقدر ما يندرج ضمن ما يُعرف بـ”الخداع الاستراتيجي”، وهي مقاربة تعتمدها واشنطن لإرباك الخصوم وإدارة إيقاع المواجهة مع إيران دون الانزلاق إلى تدخل بري مباشر.
وخلال تصريحات أدلى بها لقناة “سكاي نيوز عربية”، أوضح المعايطة أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على صناعة حالة من الضبابية المدروسة، من خلال إرسال إشارات متناقضة بشأن التحركات العسكرية، مثل الإعلان عن نشر قوات بحرية ثم التراجع أو نفي الوصول، وهو ما يهدف إلى إبقاء طهران وحلفائها في حالة ترقب دائم، وإرباك حساباتهم الميدانية والسياسية. وقال أن الولايات المتحدة تفضّل في هذه المرحلة استخدام أدوات الضغط المركّب، عسكريًا وسياسيًا، بدلًا من خوض حرب تقليدية على الأرض، مشيرًا إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة يتمثل في تحجيم النفوذ الصيني عبر التحكم في منابع الطاقة، وعلى رأسها النفط الإيراني، إضافة إلى تأمين خطوط الإمداد الحيوية في مضيق هرمز.
فيما قال ماركو مسعد الباحث في العلاقات الدولية في مداخلة لقناة اكسترا نيوز أن تناقض تصريحات ترمب مقصود وذلك لكي يجد مخرج من كل أزمة يتسبب بها .
اقرأ أيضاً:
كيف تشكّلت إيران الحديثة؟.. قصة 14 قرنًا من الإمبراطوريات والثورات والصراعات
أبناء ترامب يلعبون بالنار.. حين تتحول الحروب إلى أكبر بيزنس في العالم
أرقام صادمة وتأثيرات عالمية.. من يدفع فاتورة الحرب الإيرانية بعد 15 يوما؟
المصدر : وكالات
