مقالات

حين تقتل الصورة ما لم يقتله السلاح، قضية بسنت خالد والابتزاز الإلكتروني وقصة لم تنتهِ رغم صدور الحكم

بقلم المحامي: عبد الرحمن شحاته

لم يعد الابتزاز الإلكتروني جريمة عابرة في هامش الواقع الرقمي، بل صار خطرًا حقيقيًا يهدد استقرار الأفراد وسلامة المجتمع، ويضرب في عمق القيم الإنسانية قبل أن يمس النصوص القانونية. هي جريمة لا تحتاج إلى سلاح، ولا إلى مواجهة مباشرة، بل تكتفي بصورة، أو رسالة، أو منشور، لتبدأ رحلة طويلة من الألم قد تنتهي بكارثة لا يُجدي بعدها الندم.

في هذا السياق، تبرز قضية بسنت خالد كواحدة من أكثر القضايا قسوة ووجعًا في الذاكرة الجماعية. لم تكن مجرد واقعة انتحار هزّت الرأي العام، بل كانت مرآة صادمة كشفت خللًا عميقًا في طريقة تعامل المجتمع مع الشائعات والاتهامات، خاصة حين تُدار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تختفي الحكمة، وتُغيَّب العدالة، ويُستبدل القانون بالتريند.

فهي فتاة في عمر الزهور، لم تكن طرفًا في صراع، ولا صاحبة سابقة، ولا محل شبهة. طالبة عادية تعيش حياتها بهدوء، وجدت نفسها فجأة داخل دائرة اتهام أخلاقي قاسٍ، بعد تداول صور مفبركة نُسبت إليها زورًا، دون دليل، ودون تحقيق، ودون حتى لحظة تفكير.
في ساعات قليلة، تحولت من إنسانة بريئة إلى “قضية”، ومن اسم عادي إلى عنوان للاتهام، ومن فتاة لها أحلام إلى ضحية لمحكمة افتراضية لا تعرف الرحمة.

الخطير في الجرائم الإلكترونية، وعلى رأسها الابتزاز والتشهير، أنها لا تمنح الضحية فرصة للدفاع، ولا وقتًا لالتقاط الأنفاس. الاتهام ينتشر أسرع من الحقيقة، والفضيحة المزعومة تتضخم قبل أن يُسأل: هل ما نراه حقيقي؟ هل هناك دليل؟ هل هذه إنسانة من لحم ودم؟

القانون قال كلمته لاحقًا. التحقيقات أثبتت أن ما جرى كان ابتزازًا وتشويهًا متعمدًا، وأن الصور مفبركة، وأن بسنت لم ترتكب ذنبًا. وصدر الحكم على الجناة بعقوبات رادعة، وفقًا لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
لكن يبقى السؤال المؤلم حاضرًا بقوة:
هل أعاد الحكم حياة؟
هل رمّم نفسًا كُسرت؟
هل محا أثر القتل المعنوي الذي سبق كل إجراء قانوني؟

قضية بسنت ليست استثناءً، بل واحدة من سلسلة وقائع أثبت فيها العلم، والطب الشرعي، والتحقيق الفني، براءة الضحايا بعد فوات الأوان. وبعد أن كانت سمعتهم قد سُحقت، وأسماؤهم دُمرت، ونفوسهم انهارت تحت ضغط مجتمع قرر أن يكون قاضيًا بلا محكمة، وجلادًا بلا حق، وحكمًا بلا ضمير.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتكاب الجريمة، بل في البيئة التي تسمح لها بالتمدد. في تحويل الاتهام إلى سلاح، والاشتباه إلى إدانة، والصورة إلى دليل، والتريند إلى منصة لإعدام السمعة.
فالجرائم الإلكترونية لا تقتل الجسد فقط، بل تقتل الإنسان نفسيًا، وتزرع العار الوهمي، وتترك وراءها ضحايا لا يُنقذهم اعتذار، ولا يُعيدهم حكم، ولا يُنصفهم بعد الموت إنصاف.

قصة بسنت يجب ألا تُروى بوصفها مأساة انتهت بالحكم، بل كدرس لم يُستوعب بعد.
درس يقول إن العدالة لا تُدار بالبوستات،
ولا تُقام بالصوت العالي،
ولا تُختصر في مشاركة أو تعليق.
وأن قرينة البراءة ليست رفاهية قانونية، بل صمام أمان لمجتمع بأكمله، إن سقط، سقط الجميع.

ستظل بسنت خالد شاهدًا مؤلمًا على أن أخطر الجرائم قد تبدأ بصورة،وأن أقسى الأحكام قد تُصدر قبل أن يتكلم القانون،وأن الابتزاز الإلكتروني ليس مجرد جريمة تقنية، بل جريمة ضمير… يدفع ثمنها الأبرياء.

https://www.instagram.com/prof_of_the_law_?igsh=emIyNWU1MnFjb29t

https://www.facebook.com/share/1AzAqnURoZ/

زر الذهاب إلى الأعلى