مقالات

يمتاز بأسلوبه الهادئ، وصدقه في الطرح، وحرصه على الجمع بين الأصالة والتجديد، مما جعله محل تقدير لطلابه ومحبيه الأستاذ “عمرو عصام” صوت العربية الذي صنع من الكلمة رسالة ومن الفصحى حياة.

في زمنٍ تتراجع فيه اللغة العربية أمام صخب اللهجات والاختصارات السريعة، يطل إسم الاستاذ “عمرو عصام” كأحد النماذج المضيئة التي أعادت للفصحى حضورها وهيبتها، لا من فوق المنصات الرسمية فحسب، بل من قلب المجتمع، وبأسلوب قريب من الناس، نابض بالحياة، ومؤمن بأن اللغة رسالة وهوية قبل أن تكون علمًا يُدرَّس.

ينتمي الاستاذ عمرو إلى مدينة بورسعيد، المدينة التي شكّلت وعيه الثقافي مبكرًا، فشبّ محبًا للكلمة، واعيًا بقيمتها، متطلعًا إلى أن يكون له دور حقيقي في خدمتها. التحق بـ كلية اللغة العربية – جامعة الأزهر بالمنصورة، حيث نهل من علوم العربية الأصيلة؛ نحوًا وبلاغةً وأدبًا، ثم استكمل بناءه التربوي بالحصول على الدبلوم العام في التربية من جامعة بورسعيد، ليجمع بين رسوخ العلم وحكمة الأداء التعليمي.

 

إختار طريق التعليم الحر للغة العربية، مؤمنًا بأن المعلم الحقيقي لا تحدّه جدران فصل، ولا تقيّده مناهج جامدة. وانطلاقًا من هذا الإيمان، كان من مؤسسي مشروع “أطفالنا” لتعليم النشء الصغير العلوم، حيث اضطلع بدور محوري في الإشراف على تعليم الأطفال اللغة العربية، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: أن يتصالح الطفل مع لغته، وأن يشعر بأنها صديقة له لا عبئًا عليه.

 

وفي إطار سعيه لصناعة متعلم متكامل، أسّس دورة تنمية المهارات اللغوية، وهي تجربة تعليمية مختلفة في مضمونها وأدواتها، لم تقتصر على شرح القواعد، بل ركزت على الإلقاء، والتعبير عن النفس، وبناء الثقة، ومواجهة الجمهور. وقد أسهمت هذه الدورة في إطلاق طاقات كثيرة، وتحويل الخجل إلى حضور، والصمت إلى بيان.

 

ولأن اللغة فن قبل أن تكون علمًا، أنشأ مجالس “دوبلاج للجميع”، وهي تجربة إبداعية تجمع بين المتعة والتعلّم، حيث كان المشاركون “يلعبون الدوبلاج” باللغة العربية، في أجواء حرة محفزة على الإبداع. وقد نشر من خلالها مقاطع عديدة له شخصيًا، ولمشاركات الأصدقاء، ما ساعد على تقريب العربية من الشباب، وربطها بالفن والصوت والأداء، بعيدًا عن الصورة النمطية الجافة.

 

كما يُعد إطلاقه لمبادرة “مجالس الفصحى” في بورسعيد من أبرز محطاته الثقافية؛ إذ نجح في تحويل الفصحى إلى لغة حوار حي، تُتداول في مجالس مفتوحة تجمع محبي العربية. وقد عُقدت هذه المجالس ثلاثة مواسم حضورياً، وشهدت تفاعلًا لافتًا، قبل أن تنتقل حاليًا إلى موسمها الرابع عن بُعد، محافظة على روحها ورسالتها، ومؤكدة أن اللغة قادرة على الاستمرار مهما تغيّرت الوسائل.

 

وتُوّج هذا المسار اللغوي بحصول على المركز الأول في مسابقة إلقاء الشعر بقصر البارون، وذلك احتفالًا بـ اليوم العالمي للغة العربية، وهو إنجاز يعكس قدرته الأدائية، وتمكنه الصوتي، وحضوره اللغوي اللافت، ويجسّد عمليًا ما يدعو إليه نظريًا.

 

يمتاز الاستاذ عمرو عصام بأسلوبه الهادئ، وصدقه في الطرح، وحرصه على الجمع بين الأصالة والتجديد، مما جعله محل تقدير طلابه ومحبيه. وهو يرى أن نهضة العربية تبدأ من الإيمان بها، والعمل لأجلها، وتقديمها بروح العصر دون تفريط في جوهرها.

إن تجربة عمرو عصام تؤكد أن الكلمة الصادقة قادرة على صناعة أثر، وأن اللغة العربية ما زالت بخير، ما دام فيها من يحملها حبًا ورسالة.

زر الذهاب إلى الأعلى