«زال همي»… كتاب أعاد تشكيل وعي جيلٍ يبحث عن الطمأنينة

في وقت تتزايد فيه الضغوط النفسية والتحديات الفكرية التي تواجه الجيل الجديد، برز كتاب «زال همي» للكاتب الفلسطيني “سامح عمرو” كأحد الأعمال القليلة التي استطاعت أن تخاطب هذا الجيل بلغته، وتلامس قلقه، وتمنحه مساحة صادقة للتأمل والعودة إلى الذات. لم يكن «زال همي» مجرد كتاب عابر في سوق النشر، بل تحوّل إلى حالة إنسانية وفكرية تركت أثرًا واضحًا في نفوس الشباب داخل فلسطين وخارجها.
جاء كتاب «زال همي» في زمن بات فيه الشباب محاطين بتسارع الحياة، وضغوط الدراسة والعمل، وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، وما تفرضه من مقارنات قاسية وقلق دائم. ومن هنا، وجد كثير من القرّاء في هذا الكتاب ملاذًا هادئًا، ورفيقًا روحيًا يعيد ترتيب الداخل، بعيدًا عن الصخب والادّعاء.
يقدّم الكاتب في كتابه تجربة إيمانية صادقة، تنطلق من الواقع اليومي الذي يعيشه الإنسان، وخاصة الشباب، دون لغة وعظية أو خطاب مثالي بعيد عن الحقيقة. فالكتاب لا يطالب القارئ بالكمال، بل يدعوه إلى الصدق مع نفسه، وإعادة بناء علاقته بالله من نقطة الضعف لا من ادّعاء القوة. وهذا ما جعله قريبًا جدًا من الجيل الجديد، الذي يبحث عن خطاب حقيقي يفهمه ولا يحاكمه.
تميّز الكتاب بأسلوبه السلس والبسيط، وهو أسلوب يتناسب مع طبيعة الشباب الذين ينفرون من التعقيد اللغوي والخطاب المتكلّف. فقد اعتمد الكاتب على تأملات وجدانية قصيرة، ومواقف حياتية مألوفة، ربطها بمعاني قرآنية ونبوية عميقة، دون أن يشعر القارئ بأنه أمام درسٍ أو محاضرة، بل أمام حوار داخلي هادئ.
وكان للأثر النفسي للكتاب حضور لافت بين القرّاء الشباب، حيث عبّر كثير منهم عن شعورهم بالراحة والسكينة بعد قراءته، معتبرين أنه ساعدهم على تجاوز لحظات قلق، وحيرة، وانكسار. وقد تداول الشباب مقاطع وأفكارًا من الكتاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما ساهم في انتشاره الواسع، وتحويله إلى حديث متداول بين فئات عمرية مختلفة، مع حضور خاص لدى الجيل الجديد.
ولم يقدّم «زال همي» حلولًا جاهزة أو وعودًا سريعة، بل ركّز على فكرة محورية مفادها أن الفرج يبدأ من الداخل، وأن الاطمئنان الحقيقي لا يرتبط بزوال الأسباب الخارجية بقدر ما يرتبط بثبات القلب وحسن الظن بالله. هذه الرسالة لاقت صدى كبيرًا لدى الشباب الذين يعيشون حالة من التشتت بين الطموحات الكبيرة والواقع الصعب.
كما أسهم الكتاب في إعادة تصحيح بعض المفاهيم الدينية لدى الجيل الجديد، من خلال طرحٍ متوازن يربط الإيمان بالحياة، ويقدّم الدين كمساحة رحمة واحتواء، لا كمجموعة أوامر ثقيلة. وقد وجد فيه كثير من الشباب بداية حقيقية للتقرّب من الله دون خوف أو شعور بالذنب.
ويُحسب للكاتب سامح عمرو أنه استطاع، من خلال «زال همي»، أن يقدّم نموذجًا مختلفًا للكتابة الإيمانية المعاصرة، نموذجًا يحترم عقل الشباب، ويقدّر مشاعرهم، ويمنحهم الأمل دون إنكار للألم. وهو ما يفسّر النجاحات الكبيرة التي حققها الكتاب، والمبيعات المميزة التي سجلها في عدد من الدول العربية.
في المحصلة، لم يكن «زال همي» مجرد كتاب يُقرأ ثم يُنسى، بل تجربة إنسانية رافقت جيلًا يبحث عن التوازن وسط عالم مضطرب، وأثبتت أن الكلمة الصادقة، حين تخرج من القلب، قادرة على أن تُغيّر الوعي، وتزرع الطمأنينة، وتُعيد الأمل من جديد.