مقالات

قدوة الإنسانية جسّدت المعنى الحقيقي للرسالة التربوية، الأستاذة “كوكت بشاي” أثبتت أن الإدارة ليست سلطة بل هي مسؤولية قائمة على التشجيع والدعم.

في قلب مدرسة سانت فاتيما، حيث يلتقي التعليم بالرسالة الإنسانية، تبرز شخصية إستثنائية كرّست حياتها لبناء جيل جديد على أسس من المحبة والتفاهم والإبداع. إنها الأستاذة “كوكت بشاي” التي جمعت بين العلم والخبرة، وبين العطاء والتفاني، لتصبح رمزًا يُحتذى به في مجال التعليم الأساسي، وخاصة في مرحلة التأسيس التي تُشكِّل حجر الزاوية في بناء شخصية الطفل.

بدأت مسيرتها العلمية بحصولها على ليسانس آداب قسم اللغة الإنجليزية من جامعة عين شمس، وهي شهادة لم تكن مجرد ورقة علمية بل كانت بداية طريق طويل اختارت أن تسلكه بحب وإصرار. ومنذ اللحظة الأولى، كان شغفها بالتعليم واضحًا، فقد آمنت أن مهنة التدريس ليست مجرد وظيفة، بل رسالة سامية تُسهم في تشكيل العقول الصغيرة وصناعة المستقبل.

انضمت إلى أسرة مدرسة سانت فاتيما عام 2007، لتبدأ رحلتها كـ معلمة لمرحلة FS2. وعلى مدار ثماني سنوات متواصلة، من 2007 وحتى 2015، عملت بإخلاص مع الأطفال، حيث وضعت نصب عينيها أن كل طفل هو عالم خاص يستحق الاهتمام والتقدير. كانت ترى أن التعليم في هذه المرحلة لا يقتصر على تلقين المعلومات، بل هو عملية تواصل وبناء علاقة قائمة على الحب والفهم واللعب، وهو ما جعلها قريبة من الأطفال بشكل لافت.

عام 2015 شكّل نقطة تحول مهمة في مسيرتها، إذ تولت منصب مديرة مرحلة Foundation Stage 1 & 2، لتصبح Head of the Foundation Stage. ومنذ ذلك الحين، كما واصلت العطاء بنفس الروح المتوهجة، لكنها هذه المرة قائدة وملهمة لطاقم من المعلمين والمعلمات الذين يعملون معها.

وبلقاء خاص معها عن بيئة عملها قائلة: “أشكر ربنا على محبته، فأنا أعمل في جو ممتع جدًا مع إدارة عظيمة تحت إشراف الأستاذ نادر يويان والأستاذة مارينا يونان. ومن نعم ربنا عليّ أن لديّ أجدع وأحن طاقم مدرسين، قمة في الحقيقة في معاملة الأطفال.” هذه الكلمات تلخص فلسفتها التي تضع الحب والاحترام في قلب العملية التعليمية.

وتؤمن أن لكل طفل طريقته الخاصة في التعامل، وأن مفتاح الوصول إليه يكمن في النزول إلى مستواه الفكري والعاطفي. فهي ترى أن الطفل لا يتقبل التعلم إذا لم يشعر أولًا بالحب والأمان، ولهذا تجعل من اللعب وسيلة للتعليم، ومن التواصل الإنساني مدخلًا للمعرفة. تقول: “أهم حاجة إنك تنزل لمستوى الطفل علشان يتقبل منك ما تريد، وأن تلعب معه.” بهذه البساطة والعمق، تختصر كوكت فلسفة تربوية متكاملة تُقدِّم من خلالها نموذجًا يُحتذى في التعليم الحديث.

إن قصتها ليست مجرد سيرة ذاتية لمعلّمة أو مديرة ناجحة، بل هي شهادة حيّة على أن النجاح الحقيقي في التعليم يُقاس بمدى التأثير في نفوس الأطفال، وبمقدار الحب الذي يُزرع في قلوبهم. فمنذ أكثر من 18 عامًا، ما زالت كوكت تواصل رسالتها بكل تفانٍ، راسمة الابتسامة على وجوه الأطفال، ومُلهِمة فريق عملها ليمنحوا أفضل ما لديهم.

ولعل ما يميزها أيضًا هو إيمانها العميق بأن التعليم هو عملية تشاركية، حيث يكمّل دور المعلم دور الأهل، ويصبّ كل ذلك في مصلحة الطفل. ومن خلال قيادتها الحكيمة لمرحلة التأسيس، أثبتت أن الإدارة ليست سلطة، بل هي مسؤولية قائمة على التشجيع والدعم، وأن القائد الحقيقي هو من يرفع من حوله ليحققوا أفضل ما لديهم.

اليوم، ومع كل طفل يدخل إلى مرحلة التأسيس في سانت فاتيما، تبدأ رحلة جديدة مليئة بالأمل والتحديات، لكن بوجود شخصية مثل كوكت بشاي، فإن هذه الرحلة دائمًا ما تكون ممتعة وآمنة وغنية بالحب. فهي لا تُخرّج فقط طلابًا متفوقين، بل تُسهم في بناء شخصيات واثقة، محبة للتعلم، قادرة على مواجهة المستقبل.

إنها بالفعل قدوة في التعليم والإنسانية، تجسّد المعنى الحقيقي للرسالة التربوية، وتُذكّرنا جميعًا أن النجاح يبدأ من الأساس، وأن غرس القيم والمحبة في قلوب الأطفال هو الاستثمار الأعظم لأي مجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى