مقالات

25 عامًا من العطاء وعنوان للخبرة والانضباط والنتائج المتميزة لمعلم صنع أجيالًا وأعاد للغة العربية بريقها.

في زمنٍ تتسارع فيه المعلومة وتبهت فيه القيمة، يظل هناك معلمون يشبهون المنارات، يثبتون أن الرسالة أسمى من أن تكون مجرد وظيفة، وأن اللغة العربية ليست مادة دراسية فحسب، بل هوية وروح وحضارة. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ فريد شوقي سعد أمين، الشهير بـ فريد شوقي، أحد أعمدة تدريس اللغة العربية للثانوية العامة، وصاحب مسيرة تعليمية ممتدة لأكثر من خمسة وعشرين عامًا من العطاء المتواصل.

وُلد حلم التعليم في قلبه مبكرًا، فاختار أن يلتحق بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، تلك القلعة العلمية العريقة التي خرّجت كبار علماء اللغة والأدب والفكر. حصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية، متسلحًا بزادٍ علمي متين يجمع بين أصالة التراث وعمق الفهم، ليبدأ بعدها رحلة طويلة من الإبداع داخل الفصول الدراسية.

 

منذ أكثر من ربع قرن، وقف الأستاذ فريد أمام طلاب الثانوية العامة، لا ليشرح نصًا أدبيًا فحسب، بل ليبث فيهم حب اللغة، ويغرس فيهم الثقة بقدرتهم على الفهم والتحليل والتعبير. لم يكن يومًا معلمًا تقليديًا يكتفي بتلقين القواعد أو حفظ الشواهد، بل كان صاحب أسلوب متفرد يمزج بين البساطة والعمق، وبين الانضباط والمتعة، فيجعل من درس النحو حكاية، ومن البلاغة لوحة فنية، ومن الأدب رحلة عبر العصور.

تميز بقدرته الفائقة على تبسيط أصعب القواعد النحوية، فحوّل ما كان يراه الطلاب “عقدة” إلى مساحة للفهم السلس والمنطقي. كان يؤمن أن النحو ليس تعقيدًا، بل نظام دقيق إذا أُحسن شرحه انكشف جماله. لذلك كان يربط القاعدة بالتطبيق، ويُكثر من الأمثلة الحياتية، ويشجع الطلاب على التفكير لا الحفظ، حتى صار اسمه مرتبطًا بالثقة والنتائج المبهرة.

وعلى مدار سنوات طويلة، تخرّج على يديه آلاف الطلاب، منهم الطبيب والمهندس والمعلم والقاضي، وكلهم يحملون في ذاكرتهم صورة معلم لم يكن يشرح لهم اللغة فقط، بل يزرع فيهم قيمة الاجتهاد والانضباط واحترام الوقت. كان يعتبر نجاح طلابه نجاحًا شخصيًا له، ويحتفل بتفوقهم كما لو كانوا أبناءه.

لم يقتصر دوره على الجانب الأكاديمي، بل كان حاضرًا بقوة في الدعم النفسي لطلابه، خاصة في عام الثانوية العامة الذي يمتلئ بالضغوط والتحديات. كان يذكّرهم دائمًا بأن الامتحان مرحلة لا نهاية، وأن الثقة بالله والاجتهاد هما طريق التفوق الحقيقي. بكلماته الهادئة ونبرته الواثقة، كان يمنحهم طمأنينة يحتاجونها في أصعب اللحظات.

اشتهر بين طلابه بقدرته على قراءة مستوى الطالب بدقة، فيعرف كيف يوجه المتفوق ليصل إلى الدرجة النهائية، وكيف يساند الطالب المتوسط ليقف بثبات، وكيف يأخذ بيد الضعيف خطوة خطوة حتى يتجاوز مخاوفه. كان يؤمن أن كل طالب قادر على النجاح إذا وجد من يفهمه ويمنحه الاهتمام الكافي.

 

كما عُرف بحرصه الشديد على مواكبة تطورات نظام الثانوية العامة، فلم يتوقف يومًا عن تطوير نفسه أو تحديث أساليبه، بل ظل متابعًا لكل جديد في طرق التقويم وبناء الامتحانات، ليضمن لطلابه أفضل إعداد ممكن. جمع بين خبرة السنوات الطويلة وحيوية التجديد، فكان مثالًا للمعلم الذي يتعلم باستمرار.

اليوم، وبعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا من العمل في تدريس اللغة العربية للثانوية العامة، يبقى اسم الأستاذ فريد شوقي عنوانًا للخبرة والالتزام والتميز. لم يكن مجرد مدرس يؤدي عمله، بل صاحب رسالة آمن بها وأخلص لها، فصنع لنفسه مكانة راسخة في قلوب طلابه وأولياء أمورهم.

إن مسيرة الأستاذ فريد شوقي سعد أمين هي قصة إخلاص لمهنة التعليم، وشهادة حية على أن المعلم الحقيقي يصنع أجيالًا، ويترك أثرًا لا يُمحى. وفي زمن تتغير فيه الوجوه سريعًا، يبقى أثر المعلم الصادق خالدًا في العقول والقلوب. هكذا كان فريد شوقي… وهكذا سيظل، معلمًا للغة، وصانعًا للأمل، ورمزًا من رموز العطاء في ميادين التربية والتعليم.

زر الذهاب إلى الأعلى