مقالات

في قلب الأزمات ينهض العلم.. ماقصة مؤسس منصة بلانك التي أنقذت آلاف الطلاب السودانيين؟!

في زمنٍ تشتد فيه الأزمات على السودان، يبرز بصيص نور يشع من قلوب المخلصين الذين نذروا حياتهم للعلم والمعرفة، ليكونوا سندًا للأجيال وركيزة لطريقٍ أكثر إشراقًا. ومن بين هذه النماذج الملهمة يأتي إسم الأستاذ حمدناالله عبدالله مدني، أحد أبرز أعمدة التعليم في مجال الفيزياء بالسودان، وصاحب بصمة تربوية أثرت في ملايين الطلاب على مدار خمسة عشر عامًا كاملة.

وُلد الأستاذ حمدناالله في منطقة جنوب الجزيرة، وتحديدًا في قرية إبراهيم عبدالله، القرية التي حملت روحه الأولى وملأت قلبه بحب العلم والالتزام بالقيم النبيلة. ومن هناك، بدأت رحلته العلمية التي ستقوده لاحقًا ليصبح أحد أكثر المعلمين تأثيرًا في السودان، وصاحب مشروع تعليمي غيّر حياة آلاف الطلاب.

حصل على بكالوريوس التربية في الفيزياء من جامعة الجزيرة، وهي المحطة التي شكلت الأساس المتين لشغفه العميق بالمجال العلمي. لم يتوقف طموحه عند هذه الدرجة، بل واصل طريقه نحو التخصص الدقيق، فحصل على ماجستير الفيزياء النظرية من جامعة النيلين، حيث تعمّق في المفاهيم العلمية ووسع آفاقه البحثية. واليوم، يمضي قدمًا في رحلته الأكاديمية كـ طالب دكتوراه في علم المواد، مواصلًا نهجه في التعلم المستمر وتطوير نفسه لخدمة مجتمعه وطلابه.

على المستوى المهني، يشغل منصب معلم مادة الفيزياء بوزارة التربية والتعليم – ولاية الخرطوم، وهناك لمع نجمه سريعًا بفضل قدرته الاستثنائية على تبسيط المفاهيم العلمية، وإيصال الفيزياء للطلاب بطريقة مختلفة، تجمع بين التفكير العميق والمتعة في التعلم. ونتيجة لهذا التميّز، أصبح معلّمًا محبوبًا بين طلابه، وشخصية تعليمية مؤثرة في الوسط الأكاديمي.

لكن تأثيره لم يقف عند حدود الفصول الدراسية، بل تجاوزها إلى فضاءٍ أوسع بكثير. فقد ألّف سلسلة مذكرات “المريح في الفيزياء”، التي كانت ولا تزال صديقًا وفيًا للطلاب في مختلف أنحاء السودان. ساعدت هذه المذكرات ملايين الطلاب على مدار أكثر من 15 عامًا، حتى أصبحت مرجعًا لا غنى عنه لمن يستعد لامتحانات الفيزياء في الشهادة السودانية. تتميز هذه المذكرات بتبسيطها للمفاهيم الصعبة، وتقديمها بصورة واضحة تعزز الفهم وتبث الطمأنينة في نفس الطالب.

وفي ظل الظروف العصيبة التي مر بها السودان، وخاصة الحرب التي شتّتت أبناءه في مختلف بقاع العالم، كان لا بد من حلّ تعليمي يجمع الطلاب ويوفر لهم الدعم رغم المسافات. وهنا جاءت المبادرة الخلّاقة التي أطلقها الأستاذ حمدناالله: منصة بلانك في الفيزياء، أول منصة تعليمية سودانية متخصصة في الفيزياء.

جاءت منصة بلانك كاستجابة مباشرة لأزمة الحرب، ولتكون ملاذًا علميًا لكل طالب سوداني فقد مدرسته أو انقطع عن معلمه. وبفضل الجهد الدؤوب والمحتوى المحترف، استطاعت المنصة أن تساعد آلاف الطلاب السودانيين المنتشرين في جميع أنحاء العالم. ومع الوقت، تحولت «بلانك» من مجرد منصة إلى مجتمع تعليمي متكامل يضم طلابًا ومعلمين ومحبين للعلم، تجمعهم روح الإصرار على مواصلة التعليم رغم التحديات.

لقد أصبح الأستاذ حمدناالله عبدالله مدني اليوم أحد الرموز التعليمية التي يفخر بها السودان؛ فهو نموذج للمعلم الذي يتجاوز حدود وظيفته ليصبح مصدر إلهام، وركيزة أمل لجيل كامل من الشباب. يجمع بين العلم والإنسانية، وبين الاجتهاد والابتكار، مقدّمًا صورة مشرقة لوطنٍ رغم جراحه لا يزال ينجب العظماء.

إن رحلة هذا المعلم لا تروي قصة نجاح فردية فحسب، بل تجسد إرادة شعب بأكمله في مواجهة الصعاب عبر العلم والتعليم. وما قدمه، سواء داخل الفصول أو عبر مذكراته أو من خلال منصة بلانك، سيظل أثرًا نافعًا يعبر الأجيال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى