الكاتب جمال مختار يكتب «نبض الحيرة».. قراءة وجدانية في صراع القلب بين الصمت والاعتراف
الكاتب جمال مختار يكتب: نبض الحيرة

في هذا النص الوجداني، يغوص جمال مختار في منطقة رمادية بين الطمأنينة والقلق، بين الرغبة والخوف، حيث يتكوّن ذلك الشعور المركّب الذي لا يُسمّى بسهولة… “نبض الحيرة”. إنه ذاك الإحساس الذي يوقظ القلب ليلًا ويترك العقل معلّقًا بين الاقتراب والتراجع.
يستهل الكاتب تأمله بإشارة فنية إلى سلطان الطرب جورج وسوف، مستدعيًا كلماتٍ لامست وجدان العاشقين، ليؤكد أن الحيرة ليست حالة فردية، بل تجربة إنسانية مشتركة. فالسهر حين يكون سببه شخصًا بعينه، يتحوّل من إرهاق إلى لذة، ومن تعب إلى نشوة معلّقة بين الخيال والانتظار.
يتناول النص طبيعة الرجل في المجتمعات الشرقية، حيث يُنتظر منه أن يرتدي دائمًا عباءة الصلابة، وأن يخفي هشاشته خلف ملامح الاتزان. ومع تراكم الكتمان، يصبح البوح مهارة منسية، ويغدو الاقتراب من المشاعر مخاطرة تهدد الصورة التي رسمها لنفسه.
لكن، كما يصوّر الكاتب، قد تظهر امرأة تقتحم تلك الأسوار العالية، لا بعنفٍ بل باهتمام، لا بصخبٍ بل بإنصات. تلامس الطفل المختبئ في داخله، وتعيد إليه عفويته التي دفنها تحت طبقات المسؤوليات. هنا يتحوّل الرجل من صخرة صامتة إلى آلة قيثارة، تعزف على أوتارها أنغام الفرح والارتباك معًا.
ويبلغ النص ذروته حين يرسم للمرأة صورتين متناقضتين: فهي قادرة أن تكون نسمة الجنوب الدافئة التي تمنح الطمأنينة، وقادرة في المقابل أن تكون ريحًا عاتية تقتلع السكون من جذوره. وبين هذين الاحتمالين، يظل القلب معلقًا، يشتاق إلى نسخته المضيئة من الحكاية.
الخاتمة تأتي صادقة وبلا مواربة: الاعتراف بأن الإفراط في الكتمان قد يجعل البحث أصعب، لكنه لا يُلغي الرغبة. فحتى من اعتاد الصمت، يبقى داخله صوت ينادي، وبوصلة تشير إلى امرأةٍ بعينها… ما زال يبحث عنها.
“نبض الحيرة” إذن ليس مجرد نص عن الحب، بل عن هشاشة الإنسان حين يحب، وعن الصراع بين الصورة التي نُظهرها، والحقيقة التي نخفيها. إنه اعتراف بأن أقسى المعارك ليست تلك التي نخوضها مع العالم، بل تلك التي نخوضها داخل قلوبنا.
