“ماسة بوسنية” صُقلت تحت نيران الحرب.. إدين دجيكو الذي دمر أحلام الطليان – أخبار الجمهورية

في قلب مدينة سراييفو، المدينة التي قاومت النسيان ودفعت ثمن الحرية من أرواح أبنائها، لم يكن إدين دجيكو مجرد طفل يركض خلف كرة ممزقة بين أنقاض المباني المنهارة، بل كان تجسيدًا لإرادة نجم ولد في ركام الحرب.
وُلد دجيكو وسط دوي المدافع وتحت ظلال القذائف التي لم تفرق بين ساحات اللعب وميادين القتال، حيث كانت صفارات الإنذار هي الموسيقى التصويرية الوحيدة لطفولته، لكنها لم تُسلب منها الأحلام.
هذه البداية القاسية لم تصنع منه لاعبًا بارعًا فحسب، بل صقلت روحه لتصبح بصلابة الألماس الذي لا يزيده الضغط إلا بريقًا، ليخرج من رحم المعاناة حاملاً رسالة أمل، ومتحولاً من طفل يحتمي بالخنادق إلى “ماسة بوسنية” تضيء أكبر المسارح الكروية في العالم، وتكتب قصة كفاح ستظل ترويها الأجيال كدليل على أن أشد الظروف ظلمة هي التي تصنع النجوم الأكثر سطوعًا.
ونجح دجيكو في قيادة المنتخب البوسني للصعود لمونديال 2026 على حساب المنتخب الإيطالي الذي ودّع التصفيات للمرة الثالثة على التوالي، عقب خسارته 4-1 بركلات الترجيح، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل 1-1 في نهائي الملحق الأوروبي.
صناعة الحلم
وبدأ الطفل الطويل الهادئ خطواته الأولى في عالم كرة القدم داخل أكاديمية نادي جيليزنيتشار، لم تكن انطلاقته مبشرة؛ أرقامه كانت عادية، ولم يلفت الأنظار في البداية، لكن خلف هذا الهدوء كان هناك لاعب يصقل نفسه تدريجيًا، ينتظر لحظة الانفجار.
قرر دجيكو خوض تجربة خارجية، فانتقل إلى التشيك حيث لعب مع تيبليتسه، وهناك بدأت ملامح موهبته الحقيقية في الظهور، ليجذب أنظار الأندية الأوروبية، قبل أن تكون محطته التالية في ألمانيا.
وكانت الانتقال إلى فولفسبورج نقطة التحول الحقيقية، فجأة تحول اللاعب الذي لم يكن يُحسب له حساب إلى ماكينة أهداف، في موسم 2008–2009، كان أحد أعمدة الفريق الذي فاز بلقب الدوري الألماني، ليُصبح دجيكو أحد أخطر المهاجمين في أوروبا.
من هناك، بدأت مسيرته تأخذ بعدًا مختلفًا تمامًا، وبدأ اسمه يتردد بين كبار المهاجمين في القارة.
لحظة لا تُنسى
النجاح في ألمانيا فتح الباب نحو إنجلترا، وتحديدًا مع مانشستر سيتي، حيث دخل دجيكو التاريخ من أوسع أبوابه.
في موسم 2011–2012، وفي واحدة من أعظم نهايات الدوري الإنجليزي، سجل هدف التعادل القاتل في الدقيقة 92 أمام كوينز بارك رينجرز، قبل لحظات من هدف سيرخيو أجويرو الذي منح السيتي اللقب التاريخي.
ذلك الهدف جعل دجيكو جزءًا لا يُنسى من واحدة من أكثر اللحظات درامية في تاريخ كرة القدم الإنجليزية.
وانتقل دجيكو بعدها إلى روما، وهناك بلغ قمة نضجه الفني، أصبح هداف الدوري الإيطالي، وواحدًا من أبرز هدافي النادي عبر تاريخه، متفوقًا بأرقامه وتأثيره.
ثم واصل رحلته مع إنتر ميلان، وقدم مستويات قوية، قبل أن ينتقل إلى فنربخشة، حيث استمر في تقديم الأداء التهديفي المميز، قبل أن يرحل إلى فيورنتينا الإيطالي ومنه إلى شالكه الألماني.
مسيرة رائعة مع البوسنة
بدأ إدين دجيكو مسيرته الدولية مع منتخب البوسنة والهرسك تحت 19 عاماً، ثم شارك مع منتخب تحت 21 عاماً في تصفيات بطولة أوروبا عام 2007، حيث سجل هدفاً واحداً خلال تلك التصفيات التي انتهت بخروج فريقه أمام منتخبات النرويج وأرمينيا والتشيك.
جاء ظهوره الأول مع المنتخب الأول في 2 يونيو 2007 ضد تركيا، حيث سجل هدفاً مميزاً من كرة هوائية ساهم في فوز فريقه بنتيجة 3–2.
وفي عام 2009، أطلق عليه المعلق ماريان ميايلوفيتش لقب “الماسة البوسنية” عقب تسجيله هدفاً رائعاً في مرمى بلجيكا.
أثبت دجيكو جدارته التهديفية في تصفيات كأس العالم 2010 بحلوله ثانياً في قائمة الهدافين بـ 9 أهداف، وفي عام 2012 أصبح الهداف التاريخي لبلاده بعد تسجيله “هاتريك” ضد ليختنشتاين، محطماً رقم الفير بوليتش.
كما قاد بلاده للتأهل التاريخي لمونديال البرازيل 2014، مسجلاً 10 أهداف في التصفيات، ثم سجل أول أهداف البوسنة في تاريخ كأس العالم ضد إيران.
تولى شارة القيادة في أغسطس 2014، واستمر في تحطيم الأرقام القياسية؛ فأصبح أول بوسني يصل لـ 50 هدفاً دولياً عام 2017، وخاض مباراته رقم 100 عام 2019 ضد أرمينيا.
ومع تقدمه في السن، أصبح أكبر لاعب يمثل المنتخب عام 2022، ثم أكبر هداف في تاريخ بلاده عام 2024 بعد تسجيله في مرمى هولندا.
في عام 2025، حقق رقماً قياسياً أوروبياً كأكبر لاعب يسجل في تصفيات كأس العالم وهو في سن 39 عاماً ضد سان مارينو.
وفي مارس 2026، بعد أيام من بلوغه سن الأربعين، سجل هدفاً حاسماً ضد ويلز في الملحق المؤهل لكأس العالم، ليحقق إنجازاً استثنائياً بالتسجيل للمنتخب في 20 عاماً متتالياً.
قبلة الاحتفال
وفي نهائي ملحق مونديال 2026 لقارة أوروبا، لم يكن منتخب البوسنة والهرسك يواجه مجرد فريق، بل كان يواجه كبرياء الطليان الذين ظنوا أن طريقهم لمونديال 2026 بات ممهداً.
وبينما كان جينارو جاتوزو يحشد حماسه لإعادة “الآتزوري” إلى المحفل العالمي بعد غياب مرير عن نسختين متتاليتين، كانت “الماسة البوسنية” ورفاقه يخطون فصلاً جديداً من فصول الإصرار.
بدأ المشهد باستخفاف إيطالي لم تخطئه العين، حيث انتشرت مقاطع فيديو للاعبي إيطاليا وهم يحتفلون “مبكراً” بقرب التأهل بمجرد تجاوز البوسنة لمنتخب ويلز في نصف النهائي، وكأن النتيجة في الجيب قبل أن تبدأ صافرة الحكم.
ومع انطلاق المباراة، تعززت ثقتهم بهدف مويس كين في الدقيقة 15، لكن الروح البوسنية التي لا تقهر كانت تنتظر اللحظة المناسبة، وجاء طرد باستوني في الشوط الأول ليفتح أبواب الجحيم على دفاعات الطليان.
استغلت البوسنة والهرسك هذا الارتباك، وسيطرت على مجريات اللقاء حتى نجحت في خطف التعادل عن طريق هاريس تاباكوفيتش في الدقيقة 79، لتجرّ الطليان إلى “مقصلة” ركلات الترجيح، وفازت البوسنة والهرسك بنتيجة 4–1، محولةً أحلام إيطاليا إلى كابوس مرعب.
الغريب أنه خلال احتفالات التأهل، انتشرت صورة لدجيكو وهو يُقبّل زوجة سيرجي بارباريز، مدرب منتخب البوسنة والهرسك، في لقطة عفوية بعد الإنجاز التاريخي على حساب إيطاليا، وهي لقطة أثارت الجدل وتناقلتها الجماهير بشكل واسع.
اقرأ أيضًا:
اتحاد الكرة يستجيب لطلب الأهلي بشأن حكام مباراتي الزمالك وبيراميدز
المصدر : وكالات
