مقالات
أخر الأخبار

إياح حتب.. قمرٌ خالد في سماء المجد بقلم: د. محمد علي الصابر

“الكل مدين لمصر، إلا هذه العائلة… فمصر هي المدينة لها”. بهذه الكلمات البسيطة، اختزل أديبنا نجيب محفوظ قصة واحدة من أعظم الأسر في التاريخ المصري القديم، الأسرة التي سطّرت بدمائها أولى صفحات الاستقلال الحقيقي. إنها قصة الملكة إياح حتب، التي لم تكن مجرد ملكة تتزين بالعروش والتاج، بل أيقونة انصهرت هويتها مع هوية وطنها حتى أصبحت رمزاً للتحرير والمقاومة. اسمها ذاته يحمل معنى الشموخ والطمأنينة… “القمر المطمئن”.

قبل ما يزيد على 3500 عام، كانت مصر تعاني من ظلمة الاحتلال الهكسوسي. هؤلاء الغزاة سعوا إلى طمس الهوية المصرية بأبشع الأساليب، فارضين قيودهم الجائرة حتى على ملك البلاد آنذاك، سقنن رع، الذي كان اسمه ذاته يدل على الشجاعة والبأس. وصلت إلى سقنن رع رسالة تهديد مبطنة من ملك الهكسوس أبوفيس، يطالبه فيها بإسكات أصوات أفراس النهر في طيبة بحجة أنها تُقلق راحته في عاصمته “منف”. لكن سقنن رع، الذي أدرك تماماً نوايا الغزاة، لم يكن ليخضع لتحذيراتهم السافرة. هذه الرسالة المشؤومة كانت بمثابة شرارة الانطلاق لمواجهة شاملة.

في هذا الوقت العصيب كانت “إياح حتب” أكثر من مجرد ملكة داخل القصر. أدركت أن الحرية لا تأتي بالتضرع وحسن النوايا، بل تصنع بتكاتف الجميع وإرادتهم الصلبة. جابت القرى والنجوع تحفز بسطاء المصريين وتغرس فيهم الكبرياء وروح المقاومة. وعندما استشهد زوجها سقنن رع بشجاعة في معركة التحرير الأولى—وحتّى بعد أن شوّه جسده الوحشيون—ازدادت تصميماً وعزيمةً بدلاً من الانكسار والحزن.

حملت الراية بعد ذلك لابنها البكر “كامس”، الذي خاض معارك ضارية لاستعادة الأرض المسلوبة، واستشهد هو الآخر في سبيل الحلم المصري الخالد. ثم جاء دور الابن الأصغر “أحمس”، الذي كان شاباً لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر حين وُضعت على كتفيه حمولة وطن. وقفت والدته أمامه بقلبٍ مملوء بالإيمان وقالت: لن تكون هناك عاطفة بيننا، فأنا لست أمك، وأنت لست ابني، حتى تتحقق الحرية وتُعيد مصر عزّها.

كانت كلماتها تلك بمثابة عهد لا يُنكث. بإرادتها وإيمانها، قادت إياح حتب الجيوش، وأصبحت أول امرأة في العالم تنال وسام “الذبابة الذهبية”، وهو رمز رفيع للشجاعة العسكرية في مصر القديمة. حتى عندما جاء النصر الكبير وطرد أحمس الهكسوس من البلاد، ظل اسم هذه المرأة محفوراً في وجدان المصريين الذين هتفوا باسمها قائلين: “واح… واح… إياح”. ورغم مرور آلاف السنين، بقيت تلك الصيحة تتردد في تراثنا الشعبي حتى يومنا هذا، في صيغة أهزوجة الأطفال الشهيرة: “وحوي يا وحوي… إياحا”.
يحمل القوة وأنه جزء من المصير. فاختاروا أسماءهم بعناية، وهم يسطرون بدمائهم سطور الخلود على جدران التاريخ. إن قصتها الخالدة تظل درساً عظيماً للأجيال القادمة، ورمزاً لكل أم مصرية تقدم التضحيات دفاعاً عن كرامة الوطن. مصر لا تنسى أبناءها العظماء الذين خلّدوها بروحهم ودمائهم. وبفضل هؤلاء الأبطال، بقيت شمس الحرية مشرقة على أرض الكنانة.

زر الذهاب إلى الأعلى