
تُعد مهنة المحاماة واحدة من أعرق المهن وأشرفها، فهي رسالة سامية قبل أن تكون وسيلة للكسب، وحصن للدفاع عن الحقوق والحريات، وركيزة أساسية لتحقيق العدالة وسيادة القانون. إلا أن هذه المهنة العظيمة أصبحت في الآونة الأخيرة تواجه تحديات خطيرة بسبب تصرفات بعض المنتسبين إليها ممن أساؤوا إلى قيمها وأخلاقياتها وساهموا في تشويه صورتها أمام الرأي العام.
لقد ظهر على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة تطبيق “تيك توك” وغيره من المنصات الرقمية، عدد من الأشخاص المقيدين بجداول نقابة المحامين يقدمون محتوى وتصريحات مستفزة وغير لائقة، ويسعون إلى إثارة الجدل وتحقيق الانتشار والتريند بأي وسيلة، حتى ولو كان ذلك على حساب هيبة المهنة وتقاليدها الراسخة.
وهنا يثور التساؤل المشروع: هل هؤلاء يمثلون المحاماة حقاً؟
قد يكونون مقيدين بجداول النقابة، ولكنهم لا يمثلون القيم الحقيقية للمحاماة ولا أخلاقياتها الرفيعة، بل إن ممارساتهم تسيء إلى تاريخ طويل من العطاء والاحترام الذي صنعه كبار المحامين الذين حملوا رسالة العدالة بكل أمانة وشرف.
ومن هذا المنطلق، أناشد السيد الأستاذ الدكتور عبد الحليم علام، نقيب محامي مصر ورئيس اتحاد المحامين العرب، باتخاذ إجراءات حاسمة لتنقية جداول النقابة من كل من يسيء إلى المهنة ويخرج على آدابها وتقاليدها، وتفعيل المساءلة التأديبية تجاه كل من يستغل صفته كمحامٍ في نشر محتوى يتعارض مع رسالة المحاماة وقيم المجتمع.
إن الحفاظ على قدسية مهنة المحاماة يتطلب التزاماً راسخاً بأخلاقيات المهنة، فالمحاماة ليست مهنة لمن يبحث عن الشهرة السريعة أو المكاسب الرخيصة، وليست سلعة تُعرض على المنصات الرقمية، وإنما هي علم وأخلاق ومسؤولية وشرف.
لقد ترك عظماء المحاماة بصمات خالدة في تاريخ مصر، ومن بينهم عبد العزيز باشا فهمي، “شيخ المحامين”، الذي لعب دوراً محورياً في صياغة القوانين وتأسيس نقابة المحامين المصرية، والأستاذ أحمد الخواجة، أحد أبرز نقباء المحامين والمدافعين عن استقلال القضاء والمحاماة. هؤلاء وغيرهم صنعوا تاريخاً مشرفاً سيظل مصدر فخر لكل من ينتمي إلى هذه المهنة العريقة.
إن المحاماة تُحمِّل صاحبها أمانة الدفاع عن الحق، وإعلاء صوت العدالة، وحماية كرامة الإنسان، وليست مجالاً للاستعراض أو المبالغة أو التسويق العشوائي الذي يُفرغها من مضمونها الحقيقي.
نعم، نحن نعيش عصر التكنولوجيا والمنصات الرقمية، وأصبح التواجد الإلكتروني ضرورة لا يمكن إنكارها، لكن هناك فرقاً شاسعاً بين الحضور المهني الراقي الذي يعكس قيمة المحامي ويقدم محتوى قانونياً نافعاً، وبين المحتوى المبتذل الذي يسعى فقط إلى جذب الانتباه وتحقيق المشاهدات على حساب المبادئ والقيم.
إن التسويق للمحاماة يجب أن يكون منظماً ومحترماً، قائماً على نشر الوعي القانوني وبناء الثقة وتقديم المعرفة، لا على إثارة الجدل أو مخالفة الأعراف المهنية أو استغلال الصفة النقابية لتحقيق الشهرة.
فمن يحمل رسالة لا يساوم عليها، ومن يؤمن بالمحاماة يصونها من أن تتحول إلى فوضى أو وسيلة للابتذال والظهور الزائف.
ولعل خير ما نختم به هو القسم الذي يؤديه المحامي عند التحاقه بالمهنة:
“أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للوطن، وأن أؤدي أعمالي بالأمانة والشرف كما تقتضيها القوانين والأنظمة، وأن أحافظ على سر مهنة المحاماة، وأن أحترم قوانينها وتقاليدها.”
إن هذا القسم ليس مجرد كلمات تُردد، بل عهد وشرف ومسؤولية يجب أن تظل حاضرة في وجدان كل محامٍ.
حفاظاً على هيبة المحاماة ورسالتها السامية، نطالب بالتصدي لكل ما يسيء إليها، والعمل على حماية مكانتها كقلعة للحقوق والحريات، لتبقى كما كانت دائماً مهنة العظماء والأدباء وحماة العدالة.
عاشت نقابة المحامين…
وعاشت المحاماة رسالةً للحق والعدل والشرف.
محمد عادل فايد
المحامي بقنا
عضو اتحاد المحامين العرب
