عاجل

د. مي مصطفى تكتب.. الخريج بين الواقع والأحلام – أخبار الجمهورية

كأستاذة  جامعية أعيش كل عام لحظة خاصة مع قدوم شهري يونيو ويوليو، حين تنتهي الامتحانات ويشعر طلابي وبخاصة طلاب المرحلة النهائية، بأن فصلًا من حياتهم يُختتم ونافذة جديدة تُفتح أمامهم ، أتابع خطواتهم عن قرب ،  أرى الفرحة في عيون من نجح ، والقلق في قلب من يخشى الانتقال لسوق العمل، والأمل المختلط بالرهبة لدى الخريج الذي يبدأ رحلة البحث عن فرصة وظيفية توازي تعب سنوات الدراسة … هذه الفترة ليست مجرد انتقال أكاديمي، بل هي لحظة مصيرية يحتاج فيها الخريج إلى توجيه عملي و دعم مهني وفرص حقيقية لتحويل المعرفة إلى عمل كريم يلبي احتياجاته وطموحاته.

ألاحظ دوما  أن قليلين فقط من طلابي استعدّوا جيدًا لهذه اللحظة من خلال التدريب وصقل المهارات الشخصية والمهنية، بينما بالغ الكثيرون في التسويف حتى حانت ساعة التخرج ، وبصراحة هؤلاء ظلموا أنفسهم كثيرًا، لأن سوق العمل قاسٍ في متطلباته ، يحتاج إلى كفاءات واضحة و مهارات عملية ، وسلوك مهني متزن لا يمكن اكتسابه في لحظات ، والحقيقة أن التأخر في التحضير لهذه الخطوة يجعل الخريج يدخل المنافسة محملاً بنقص في الخبرة والثقة، مما يطيل فترة البحث عن وظيفة مناسبة أو يجبره على قبول فرص دون المستوى ، أو الإقبال على عمل لا يتماشى مع مع تخصصه لذا أحرص دائمًا على تشجيع طلابي على البدء مبكرًا في التدريب وبناء شبكة من العلاقات للدعم واكتساب مهارات قابلة للتطبيق، لأن الاستعداد المبكر يمنحهم أفضلية حقيقية عند دخول سوق العمل.

في محاضراتي  لطلابي سواء المستجدين أو القدامى منهم أؤكد معهم دوما أن فكرة أن يعيش الإنسان فقط من أجل النجاح الامتحاني دون هدف أعمق هي حساب خاطئ تمامًا ويتطلب إعادة تفكير ، النجاح في الامتحان مهم لكنه ليس غاية بحد ذاتها إذا لم يصاحبه هدف واضح وقيم مهنية وشخصية توجه الاختيارات المستقبلية. الطلاب الذين يكتفون بالنجاح الأكاديمي فقط يخاطرون بالدخول إلى سوق العمل بلا رؤية واضحة ، مما يجعلهم عرضة للضياع والتراجع المهني والنفسي. 

لذلك أحرص على حث طلابي على تحديد أهداف مهنية واقعية و التفكير في القيم التي يريدون أن يعملوا من أجلها، وبناء خطة تعلم مستمرة لديهم وتحديد هدف يمنح الدراسة معنى ويجعل الانتقال إلى العمل خطوة مدروسة وليست مجرد رد فعل للضغط والتوقيت والاحتياج.

لابد وأن يكون لكل طالب هدف واضح في حياته ،الهدف قد يكون داخل التخصص أو خارِجه، المهم ألا يبقى الطالب عائماً بلا وجهة  ثم عليه أن يقوم بتقييم ما ينقصه لتحقيق هدفه بإدراكه لنقاط القوة والضعف ووضع خطة  لتحسين الأداء ، لأن الهدف بدون عمل مخطط ومُنفّذ يظل حلمًا لا أكثر ، وبالتالي يجب أن تتحول سنوات الدراسة من مجرد اكتساب المعلومات والمهارات إلى محطة انطلاق نحو مسار مهني وشخصي واضح.

خاصة أنه لو جئنا لحقيقة الأمر فسنجد أن هذا الجيل مظلوم بحق في أكثر من جانب ، مظلوم بفرص العمل المحدودة رغم المؤهلات والرغبة في العل بجدية ، بطالة جزئية وتوظيف بعقود مؤقتة أو برواتب ضعيفة جعلت الكثيرين يشعرون بالظلم وعدم الاستقرار ، إضافة إلى ذلك تشترط بعض الوظائف خبرات لا تتوفر في بيئة التعليم الحالية، أو تفضل الشبكات الشخصية والعلاقات على الكفاءة، ما يزيد من الإحباط لدى الخريجين ويجعل أحلامهم في بناء مستقبل لائق تبدو بعيدة.

جيل مظلوم أيضا بسوق يتغير بسرعة و بطبيعة عمل متقلبة تتطلب مرونة دائمة وخبرة لا يملكها كثيرون من حديثي التخرج ، مظلوم بتكاليف الحياة وطموحات شخصية يريد كل واحد تحقيقها كالعمل، الادخار، التطوير الذاتي، وربما الزواج، مطلوب منه أن ينجح في كل ذلك دفعة واحدة ، النتيجة أن العديد منهم يشعر بالعجز أمام متطلبات كثيرة، وقد ينجز جزءًا منها فقط أو يتأخر في تحقيق ما يريد، رغم الجهد والإرادة التي يحملها، هذا بخلاف التطور التكنولوجي الذي يحمل فرصًا كبيرة لكنه يفرض تحديات جديدة على الشباب ، فمن جهة توفّر التقنيات الرقمية والعمل عن بُعد إمكانيات مهنية جديدة ومجالات عمل مبتكرة ، لكن على صعيد آخر، تتطلب الكثير من الوظائف مهارات تقنية متقدمة ، فإذا لم يتلقى الخريج تدريبًا مناسبًا سيجد نفسه مهمشا أمام عالم يتغير بسرعة.

خلاصة الأمر .. يواجه جيل الشباب تحديات اقتصادية واجتماعية ومهنية قد تعيق إمكاناته، لكن اليأس ليس خيارًا له ، فالمخرج يكمن في الاستثمار في الذات ، بالتدريب المستمر وإتقان المهارات الحديثة ، وبناء علاقات مهنية وشخصية جيدة ، يصبح الشباب أكثر قدرة على خلق فرصهم وتجاوز الحواجز ، ومع التوكل على الله والعمل الدؤوب ستتحول التحديات إلى دافع للتميز والعطاء، فتتحقق طموحاتهم وتساهم جهودهم في تغيير واقع المجتمع نحو الأفضل.

المصدر : وكالات

زر الذهاب إلى الأعلى