مقالات

سيناء.. ملحمة استرداد الأرض بين قوة السلاح وحكمة القانون

بقلم أ/مصطفى الحداد المحامى

سيناء لم تكن يومًا مجرد قطعة من الأرض في وجدان المصريين، بل كانت دائمًا عنوانًا للسيادة ومعيارًا لقدرة الدولة على حماية كيانها وصون كرامتها، ولذلك فإن ذكرى الخامس والعشرين من أبريل لا تأتي كل عام بوصفها مناسبة احتفالية عابرة، وإنما تعود محمّلة بمعانٍ أعمق تتصل بفكرة الدولة ذاتها، وبقدرتها على استرداد حقها حين يُسلب منها، وبحكمتها في إدارة الصراع حتى نهايته. فقد أثبتت التجربة المصرية في استعادة سيناء أن النصر لا يُقاس فقط بنتائج المعارك، بل بكيفية تحقيقه، وبالأسس التي يستند إليها، وبمدى قدرته على الاستمرار في الزمن دون أن يكون عرضة للتشكيك أو الانتقاص.
ولم يكن هذا الاسترداد ثمرة جهد منفرد أو مسار واحد، بل جاء نتيجة تكامل واضح بين أدوات متعددة، في مقدمتها القوة العسكرية التي فرضت واقعًا جديدًا، ثم الجهد السياسي والدبلوماسي الذي أحسن استثمار هذا الواقع، وصولًا إلى المسار القانوني الذي ثبّت الحق وأعاده بشكل نهائي لا يقبل الجدل، وهو ما تجلّى بوضوح في استعادة طابا عبر التحكيم الدولي، حيث لم تكتف الدولة بما تحقق على الأرض، بل سعت إلى تأكيد سيادتها بالوثيقة والحجة، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا بأن المعارك الحديثة لا تُحسم بالسلاح فقط، وإنما تُحسم أيضًا بالقدرة على إدارة الملفات القانونية والتاريخية بكفاءة واحتراف.
وفي هذا السياق، تبرز خصوصية التجربة المصرية في استخدام القوة، حيث لم تكن يومًا قوة منفلتة أو قائمة على الرغبة في الهيمنة، بل كانت قوة منضبطة تحكمها غاية واضحة هي الدفاع عن الأرض وصون الكرامة، وهو ما منحها شرعية أخلاقية إلى جانب مشروعيتها القانونية. فالجيش المصري، في معركته لاسترداد سيناء، لم يكن يسعى إلى التوسع أو فرض النفوذ، بل كان يمارس حقًا أصيلًا في الدفاع عن الوطن، وهو ما يفسر التزامه بقواعد الانضباط واحترامه للقيم التي تحكم سلوك الجيوش المحترفة، لتصبح القوة هنا وسيلة لحماية الحق، لا أداة للاعتداء.
هذا التوازن بين استخدام القوة وضبطها ليس أمرًا طارئًا، بل هو امتداد لمنظومة قيمية راسخة في الوعي المصري، تجد جذورها في التعاليم الدينية والمبادئ الإنسانية التي ترفض الاعتداء وتؤكد أن القتال لا يكون إلا لدفع العدوان، وهو ما يلتقي في مضمونه مع قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظم سلوك الأطراف في النزاعات المسلحة، وتضع حدودًا واضحة لاستخدام القوة، بما يضمن حماية المدنيين واحترام الكرامة الإنسانية حتى في أحلك الظروف. ومن هنا، فإن التجربة المصرية في تحرير سيناء لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل كانت نموذجًا لتطبيق هذه المبادئ على أرض الواقع، بما يعزز من صورتها كدولة تحترم القانون وتلتزم بالقيم.
ولم يتوقف الدور المصري عند استعادة الأرض، بل امتد إلى الإسهام في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي، من خلال المشاركة في بعثات حفظ السلام، وتبني سياسات تعكس فهمًا متوازنًا لدور القوة، باعتبارها وسيلة لحماية السلام لا لنقضه. فالدولة التي خاضت الحرب دفاعًا عن حقها، هي ذاتها التي تدرك أن السلام هو الغاية الأسمى، وأن الحفاظ عليه يتطلب جاهزية وقدرة، لكنه يتطلب أيضًا حكمة في إدارة العلاقات الدولية، وهو ما يعكس نضجًا في الرؤية السياسية والاستراتيجية.
وتبقى هذه الذكرى حاضرة في الوجدان باعتبارها درسًا متجددًا للأجيال، ليس فقط في قيمة التضحية، بل في أهمية تكامل أدوات الدولة، حيث لا يكفي امتلاك القوة العسكرية وحدها، كما لا يكفي الاعتماد على المسارات السياسية أو القانونية بمعزل عنها، وإنما تتحقق النتائج الحقيقية حين تتكامل هذه العناصر في إطار رؤية واضحة وهدف محدد. كما تؤكد هذه التجربة أن الوعي بالتاريخ ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو ضرورة لتعزيز الانتماء وفهم طبيعة التحديات التي تواجه الدولة، وكيفية التعامل معها.
وفي النهاية، فإن سيناء ستظل شاهدًا على أن الحق يمكن أن يُسترد مهما طال الزمن، إذا ما توفرت الإرادة، وحسن التخطيط، وتكاملت الأدوات، وأن الدولة التي تعرف كيف تستخدم قوتها في إطار من القانون والقيم، هي الأقدر على تحقيق النصر والحفاظ عليه. وهكذا، لا تبقى ذكرى تحرير سيناء مجرد صفحة مضيئة في الماضي، بل تتحول إلى منهج مستمر يؤكد أن القوة حين تُحسن إدارتها تصبح ضمانة للسلام، وأن السيادة لا تُحمى فقط بالسلاح، بل تُصان أيضًا بالوعي، والقانون، والقدرة على تحويل الانتصار إلى واقع دائم لا يتغير.

زر الذهاب إلى الأعلى