مني عبده توضح خبايا النفس البشرية بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية وتتكئ رسالتها على أيات القرآن الكريم ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

بقلم الاخصائية النفسية الإكلينيكية /مني عبده
في اليوم العالمي للصحة النفسية، لا تبدو الحاجة إلى الحديث عن الصحة النفسية مرتبطة فقط بالاضطرابات النفسية أو بالأعراض التي يمكن ملاحظتها، بل تمتد إلى مساحة أعمق: علاقة الإنسان بنفسه، وقدرته على فهم ما يدور داخله.
فالصحة النفسية لا تعني أن يعيش الإنسان بلا خوف أو حزن أو غضب أو صراع، وإنما أن يمتلك قدرًا من الوعي بما يشعر به، وأن يستطيع التعامل مع انفعالاته واحتياجاته بصورة أكثر اتزانًا.
وربما لهذا تظل النفس الإنسانية من أكثر جوانب الإنسان تعقيدًا.
نحن نقضي وقتًا طويلًا في محاولة فهم الآخرين؛ لماذا قال هذا؟ لماذا ابتعدت تلك؟ لماذا تغيّر شخص ما؟ ولماذا يتصرف إنسان بطريقة تختلف عما يقوله؟
لكن السؤال الأكثر صعوبة قد يكون:
لماذا أفعل أنا ما أفعله؟
لماذا نعرف أحيانًا ما نعتقد أنه الصواب، ثم نتصرف بعكسه؟
لماذا نتمسك أحيانًا بعلاقة نعرف أنها تؤذينا؟
ولماذا نشعر بالغيرة أو الخوف أو الغضب، ثم نحاول أن نجد تفسيرًا أكثر قبولًا لما نشعر به؟
هذه الأسئلة تفتح بابًا مهمًا لفهم النفس؛ فالإنسان ليس دائمًا كائنًا منطقيًا يتخذ قراراته بعد حساب واعٍ لكل شيء. هناك رغبات واحتياجات ومخاوف وذكريات وتجارب سابقة وصورة يكونها الإنسان عن نفسه وعن الآخرين، وقد تتداخل جميعها في تشكيل سلوكه.
وفي هذا السياق، قدّم سيجموند فرويد، بوصفه أحد أبرز الأسماء في تاريخ علم النفس، تصورًا نظريًا للشخصية تحدث فيه عن ثلاثة مكونات عُرفت باسم الهو، والأنا، والأنا الأعلى.
ووفقًا لهذا التصور، يرتبط الهو بالدوافع والرغبات والسعي إلى الإشباع، بينما يرتبط الأنا بالتعامل مع الواقع ومحاولة التوفيق بين الرغبات والظروف المحيطة، في حين يمثل الأنا الأعلى القيم والمعايير والضمير.
وهذا النموذج يُنظر إليه اليوم باعتباره جزءًا من تاريخ ونظريات التحليل النفسي، وليس تفسيرًا وحيدًا أو نهائيًا لكل ما يحدث داخل الإنسان، لكنه يظل مفيدًا في تقديم صورة عن فكرة الصراع الداخلي التي شغلت علم النفس طويلًا.
فقد يعيش الإنسان أحيانًا حوارًا داخليًا يشبه:
أريد… لكن لا ينبغي.
أستطيع… لكن أخاف.
أرغب… لكن ضميري يرفض.
ومن هنا نفهم أن ما يظهر في السلوك الخارجي ليس بالضرورة القصة كاملة.
قد يغضب الإنسان من موقف بسيط، بينما يكون ما أثاره في داخله مرتبطًا بشعور أعمق من مجرد الموقف نفسه.
وقد يبتعد شخص عن الآخرين لأنه يخشى التعلق، أو يتمسك بالسيطرة لأنه يشعر بعدم الأمان، أو يبالغ في السعي إلى النجاح لأنه يحاول إثبات قيمته لنفسه قبل الآخرين.
وفي أحيان أخرى، قد لا يكون الإنسان واعيًا تمامًا بالدافع الحقيقي وراء سلوكه.
قد نعرف ماذا فعلنا، دون أن نعرف دائمًا لماذا فعلناه.
وهنا تظهر أهمية الوعي النفسي.
فالإنسان قد يصنع لنفسه تفسيرات تساعده على فهم سلوكه والاستمرار فيه، وقد تكون بعض هذه التفسيرات بعيدة عن الدافع الحقيقي. وليس معنى ذلك أن كل سلوك له مبرر أو أن الإنسان غير مسؤول عن أفعاله.
بل إن فهم النفس ينبغي أن يقود إلى مسؤولية أكبر، لا إلى إعفاء الإنسان منها.
أن أفهم لماذا فعلت شيئًا لا يعني أن أبرره، وإنما يعني أن أصبح أكثر قدرة على تغييره إذا كان يؤذيني أو يؤذي غيري.
وربما هنا يلتقي المعنى النفسي مع المعنى الإنساني العميق في قوله تعالى:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
فالإنسان يحمل في داخله إمكانات متعددة، وبين الدوافع والانفعالات والقيم والاختيارات تتشكل شخصيته ومساراته.
ولهذا قد نجد شخصًا يبدو قويًا، لكنه يحمل خوفًا لا يعرف كيف يعبّر عنه.
وشخصًا هادئًا يخفي غضبًا متراكمًا.
وشخصًا ناجحًا لا يزال يشعر في داخله بأنه غير كافٍ.
وشخصًا يبدو شديد الاستقلال، بينما يحتاج في أعماقه إلى الشعور بالأمان والانتماء.
فالصورة التي نراها ليست دائمًا كل الحقيقة.
وربما يكون أحد أهم جوانب الصحة النفسية أن يتوقف الإنسان عن النظر إلى نفسه باعتبارها شخصية يجب أن تكون مثالية طوال الوقت، وأن يبدأ بدلًا من ذلك في التعرف إليها بصدق.
أن يسأل:
ما الذي يحركني؟
ما الذي يخيفني؟
ما الذي يستفزني؟
متى أهرب؟
ومتى أتمسك؟
وأن يراجع أحيانًا بعض الأفكار التي يحملها عن نفسه:
هل أنا أختار فعلًا، أم أكرر ما اعتدت عليه؟
هل ما أرفضه في الآخرين قد يكون له حضور ما بداخلي؟
وهل الصورة التي صنعتها عن نفسي هي حقيقتي، أم صورة احتجت يومًا إلى تصديقها حتى أستطيع الاستمرار؟
في النهاية، الصحة النفسية ليست مجرد غياب المرض، كما أن فهم الإنسان لنفسه لا يحدث في لحظة واحدة.
إنها رحلة من الوعي والمراجعة والنضج؛ أن نقترب من مشاعرنا دون أن نغرق فيها، وأن نفهم دوافعنا دون أن نبرر أخطاءنا، وأن نقبل إنسانيتنا بما فيها من قوة وضعف وتناقض، مع الاحتفاظ بالقدرة على الاختيار والتغيير.
وربما لهذا تبقى النفس الإنسانية رحلة لا تنتهي بسهولة؛ فكلما ظن الإنسان أنه فهم نفسه تمامًا، اكتشف جانبًا جديدًا يحتاج إلى أن يراه ويفهمه.
فالنفس ليست صفحة واحدة…
إنها كتاب نعيش عمرنا كله في قراءته.
