مقالات
أخر الأخبار

عندما تصبح الاستقالة إجراءً رسميًا

 

عندما تصبح الاستقالة إجراءً رسميًا

قراءة قانونية في الكتاب الدوري رقم (17) لسنة 2025 بشأن تنظيم اعتماد استقالة العامل

بقلم: هند عمر شاذلي

محامية متخصصة في قانون العمل والتأمينات الاجتماعية

باحثة في التشريعات العمالية

في ظل ما شهدته السنوات الماضية من نزاعات متكررة حول صحة استقالة العامل، وما إذا كانت صادرة عن إرادة حرة أم تحت ضغط أو إكراه، صدر الكتاب الدوري رقم (17) لسنة 2025 الصادر عن الإدارة المركزية لرعاية القوى العاملة، ليضع إطارًا إجرائيًا دقيقًا لاعتماد استقالة العامل وفقًا لأحكام المادة (167) من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025.

الكتاب لا يضيف حكمًا جديدًا إلى القانون، لكنه ينظّم آلية تطبيقه، ويغلق بابًا واسعًا من أبواب التلاعب والنزاع.

الاستقالة لم تعد ورقة… بل إجراء متكامل

أهم ما يلفت النظر في هذا الكتاب الدوري هو خروجه بفكرة الاستقالة من كونها مجرد ورقة مكتوبة، إلى كونها إجراءً رسميًا له ضوابط محددة، لا يُعتد به إلا إذا استوفى شروط الاعتماد المنصوص عليها.

فالكتاب ألزم مكاتب العمل التابعة لمديريات العمل باعتماد الاستقالة بعد:

• التحقق من توقيع العامل أو وكيله

• ختم الاستقالة بخاتم شعار الجمهورية

• تدوين تاريخ الاعتماد رسميًا

وهو ما يقطع الطريق على الاستقالات المجهولة المصدر أو المحررة صوريًا.

سجل الاستقالات… ذاكرة قانونية لا يجوز العبث بها

ألزم الكتاب الدوري كل مكتب عمل بإمساك سجل خاص للاستقالات المعتمدة، يتضمن بيانات تفصيلية، من بينها:

• بيانات المنشأة وصاحب العمل

• بيانات العامل الوظيفية والشخصية

• تاريخ تقديم الاستقالة وتاريخ انتهاء المدة القانونية

• بيانات العدول عن الاستقالة إن وُجد

وجود هذا السجل لا يحقق فقط التنظيم الإداري، بل يشكل حماية قانونية مزدوجة للعامل وصاحب العمل، ويُعد مرجعًا رسميًا عند النزاع.

العدول عن الاستقالة… حق مُقيَّد بضمانات

أقرّ الكتاب الدوري بحق العامل في العدول عن استقالته خلال عشرة أيام من تاريخ إخطار صاحب العمل بقبولها، لكنه اشترط:

• أن يكون العدول مكتوبًا

• ومعتمدًا من مكتب العمل المختص

• ومثبتًا في سجل الاستقالات

وهنا تتضح فلسفة المشرّع:

حماية إرادة العامل دون فتح باب العبث أو عدم الاستقرار داخل المنشأة.

أثر مباشر على المنازعات العمالية

من الناحية العملية، يُتوقع أن يسهم هذا الكتاب الدوري في:

• تقليل دعاوى الفصل التعسفي المقنّع في صورة استقالة

• الحد من النزاعات حول تاريخ انتهاء علاقة العمل

• توحيد موقف مكاتب العمل والمحاكم عند نظر النزاع

فالاستقالة المعتمدة وفق هذه الآلية ستكون حجة قوية أمام القضاء، سواء لصالح العامل أو صاحب العمل.

قراءة أخيرة

الكتاب الدوري رقم (17) لسنة 2025 لا يتعامل مع الاستقالة بوصفها نهاية علاقة العمل فقط، بل بوصفها قرارًا مصيريًا يجب أن يصدر عن إرادة حرة وتحت رقابة قانونية.

وهو ما يعكس توجهًا واضحًا في قانون العمل الجديد نحو ضبط التفاصيل الإجرائية، باعتبارها خط الدفاع الأول عن الحقوق، قبل أن تصل المنازعة إلى قاعة المحكمة.

زر الذهاب إلى الأعلى