مقالات

قصتها لا تتحدث فقط عن نجاح مهني، بل عن رحلة إيمان بالشغف والقدرة على تحويل المعرفة إلى رسالة إنسانية حقيقية،يبدو أن إسم “نورهان عبدالسلام” مرشح ليكون واحدًا من الأسماء التي ستترك بصمة واضحة في المستقبل في العالم العربي.

 

في عالم تتسارع فيه العلوم الطبية والغذائية، يبرز إسم “نورهان عبدالسلام” كواحدة من الوجوه الشابة التي إستطاعت أن تجمع بين العلم الحديث والرؤية الإنسانية في مجال الصحة والتغذية. فقد نجحت أخصائية التغذية الجينية في أن تصنع لنفسها مسارًا مهنيًا مميزًا بين القاهرة وعدد من دول الخليج العربي، مستندة إلى خلفية علمية قوية وشغفٍ مبكر بالبحث والمعرفة.

بدأت ملامح هذه الرحلة منذ الطفولة في المملكة العربية السعودية، حيث نشأت في بيئة منحتها الاستقرار وفرصة اكتشاف طموحاتها مبكرًا. كانت طفلة هادئة تميل إلى التأمل والقراءة، وتحمل في داخلها حلمًا كبيرًا بأن تصبح صيدلانية. غير أن شغفها بالعلوم قادها لاحقًا إلى طريق مختلف، طريقٍ أكثر عمقًا واتساعًا في عالم البيولوجيا والبحث العلمي.

 

عند التحاقها بالجامعة، اختارت أن تدرس التكنولوجيا الحيوية (Biotechnology) في جامعة MSA، وهو القرار الذي شكّل نقطة التحول الحقيقية في حياتها العلمية. خلال سنوات الدراسة، تعرّفت على عالم الجينات بتفاصيله الدقيقة، ودرست مجالات متعددة مثل الوراثة الجزيئية، والأحياء الدقيقة، والمناعة، والفيروسات، والهندسة الوراثية، والزراعة الحيوية، إضافة إلى التطبيقات الطبية والصيدلانية للتكنولوجيا الحيوية.

 

هذه الدراسة لم تكن مجرد مسار أكاديمي بالنسبة لها، بل كانت رحلة استكشاف علمية عمّقت فهمها لكيفية عمل الجسم البشري على المستوى الجزيئي، وكيف يمكن للعلم أن يغيّر حياة الإنسان ويمنحه فرصًا أفضل للصحة والوقاية. ومع كل مادة دراسية، كان يتعزز داخلها شعور بأن المستقبل يحمل لها دورًا مهمًا في هذا المجال.

 

بعد التخرج، قررت خوض تجربة مهنية خارج مصر، فاتجهت إلى دولة الكويت حيث بدأت العمل في مجال الفيروسات داخل أحد المراكز المتخصصة. كانت هذه التجربة فرصة مهمة لتطبيق ما تعلمته عمليًا، والتعامل مع تحديات حقيقية في مجال الأبحاث الطبية.

 

لكن الرحلة لم تتوقف عند هذا الحد؛ فقد انتقلت لاحقًا للعمل في إحدى كبرى شركات التغذية، وهناك بدأت مرحلة جديدة من التفكير والتطوير. في هذا المجال تحديدًا، أدركت نورهان أن العلاقة بين الغذاء وصحة الإنسان أعمق بكثير مما يبدو، وأن العلم قادر على تقديم حلول دقيقة ومبتكرة لتحسين حياة الناس.

 

هذا الإدراك كان نقطة التحول الثانية في مسيرتها المهنية، إذ بدأت تتجه نحو دراسة العلاقة بين الجينات والتغذية، وهو مجال حديث نسبيًا في العالم العربي يُعرف باسم التغذية الجينية (Nutrigenomics).
ومع عودتها إلى مصر لأسباب خاصة، لم تعتبر ذلك نهاية لمرحلة، بل بداية جديدة أكثر نضجًا ووضوحًا في رؤيتها المهنية. قررت أن تعزز معرفتها الأكاديمية، فالتحقت بجامعة القاهرة حيث حصلت على ماجستير في التغذية الصحية، وهو ما أتاح لها الجمع بين خبرتها في علوم الجينات ومعرفتها المتخصصة بالتغذية.

 

من خلال هذا الدمج العلمي، إستطاعت أن تبني لنفسها تخصصًا دقيقًا ومميزًا في مجال التغذية الجينية، الذي يعتمد على دراسة الجينات الخاصة بكل فرد لتحديد النظام الغذائي الأنسب له. هذا التوجه العلمي يفتح آفاقًا جديدة في الطب الوقائي، حيث لم يعد النظام الغذائي يعتمد على توصيات عامة، بل أصبح مبنيًا على الخصائص الوراثية لكل إنسان.

اليوم، أصبحت” نورهان عبدالسلام” اسمًا معروفًا في هذا المجال المتخصص، حيث تقدم استشاراتها في القاهرة وتعمل أيضًا مع عدد من العملاء في دول الخليج العربي. فقد طلبت خبرتها في الإمارات والكويت وقطر، إضافة إلى المملكة العربية السعودية في مدينتي جدة والرياض، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة في هذا التخصص الحديث.

وتسعى من خلال عملها إلى تحويل المعرفة العلمية إلى حلول عملية تساعد الأفراد على فهم أجسادهم بشكل أفضل. فهي تؤمن بأن التغذية ليست مجرد نظام غذائي مؤقت، بل أسلوب حياة يعتمد على العلم والوعي والاختيارات الصحية المدروسة.

كما تحرص في عملها على نشر ثقافة التغذية المبنية على الأدلة العلمية، بعيدًا عن الأنظمة العشوائية أو الحميات المؤقتة، مؤكدة أن لكل إنسان تركيبًا جينيًا فريدًا يتطلب نهجًا غذائيًا خاصًا به.
ولا تخفي نورهان أن الدعم والثقة اللذين حظيت بهما خلال رحلتها كان لهما دور كبير في نجاحها، سواء من أسرتها أو من الأشخاص الذين آمنوا بقدرتها على التميز في مجال علمي دقيق.

اليوم، تمثل قصة نورهان عبدالسلام نموذجًا ملهمًا للمرأة العربية الطموحة التي استطاعت أن تجمع بين العلم والإصرار والشغف. فقد بنت مسارًا مهنيًا يجمع بين البحث العلمي والتطبيق العملي، واضعة نصب عينيها هدفًا واضحًا: مساعدة الناس على عيش حياة صحية أكثر وعيًا وتوازنًا.

زر الذهاب إلى الأعلى