مقالات

المحكم ياسر عبدالله يكتب.. عندما تبيع النساء وقارهن ببضعة “قروش”

لم تكن جدران البيوت يوماً مجرد طوب وأسمنت بل كانت سياجاً يحفظ الهيبة والخصوصية اليوم وبضغطة زر واحدة على شاشة هاتف تحولت غرف النوم وتفاصيل العائلات إلى مسرح مفتوح لمن يدفع أكثر مشهد الرقصات المبتذلة والتنازل الصادم عن الوقار من فتيات ونساء في أعمار مختلفة على منصات مثل “تيك توك” ليس مجرد تقليعة شباب أو مجرد تسليه بل هو نزيف قيمي وإجتماعي يراه القاصي والداني بمرارة وحسرة.

 

المسألة لم تعد مجرد رغبة بريئة في الشهرة بل تحولت إلى تجارة محضة تُستبدل فيها الكرامة بـهدايا رقمية وأرباح سريعة والأدهى من فعل المرأة هو غياب دور الرجل فحين يتحول الأب أو الزوج من راعٍ ومسؤول إلى مخرج أو شريك يبارك الإبتذال لتحقيق أرقام مشاهدات أعلى تفقد الأسرة عمودها الفقري وتسقط هيبتها.

لكن الحقيقة التي يجب أن نراها بوعي هي أن خوارزميات هذه التطبيقات خبيثة هي رفع المحتوى الهابط عمداً إلى السطح ليخيل للناس أن الجميع يفعل ذلك بينما الواقع أن ملايين البيوت لا تزال متمسكة بأصالتها ونخوتها وإن كانت محاصرة بهذا التلوث السمعي والبصري.

والنتيجة الحتمية لهذا العبث لا تقف عند حدود العالم الإفتراضي بل تمتد لتضرب عمق المجتمع منتفكك الأسر وإرتفاع نسب الطلاق فعندما تتبدد الخصوصية وتحل المقارنات الزائفة ومطاردة الأوهام محل السكن والمودة ينهار الإحترام المتبادل وتخرب البيوت وهنا نري تطبيع التبذل وإستباحة الذوق العام حيث أصبحت المشاهد المتكررة للإبتذال تجعل غير المألوف مألوفاً وتنزع من الأجيال الناشئة فطرة الحياء تدريجياً وكأن التنازل عن الحشمة هو جواز السفر الوحيد للنجاح والإنتشار.

وفي المقابل نري جهود وزارة الداخلية في ضبط وملاحقة صناع المحتوى الإباحي والمخالف للآداب العامة جهود مقدرة تحفظ هيبة الشارع والقانون لكن الضبط الأمني يعالج العَرَض ولا يستأصل المرض إن حماية المجتمع تتطلب تدخلاً حاسماً من الدولة ومؤسساتها ونداءً لفخامة الرئيس السيسي بتوجيه الجهات التشريعية والتنظيمية لفرض رقابة صارمة على تدفق أموال هذه المنصات الأجنبية داخل مصر وتجفيف منابع التربح من الإبتذال والأهم من القوانين يظل دائماً هو إستعادة وعي الأسرة فالحياء ليس قيداً بل هو حصن والبيت الذي يبيع وقاره من أجل “ترند” زائل يشتري بأمواله خسارة مستقبله ونفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى