مقالات

حين لا يكون الماضي هو النهاية ما بين قسوة البدايات وقوة الإنسان.

بقلم الأستاذة / مني عبدة أخصائي نفسى إكلينكى

ماذا يحدث للإنسان عندما تبدأ حياته من نقطة لم يخترها؟

طفل يفقد أحد والديه، أو ينشأ في بيت مضطرب، أو يكبر في ظروف تفتقد الأمان… هل تظل هذه التجارب مجرد صفحات من الماضي، أم تمتد آثارها إلى شخصيته وعلاقاته ونظرته إلى نفسه والعالم؟

لطالما اهتم علم النفس بالعلاقة بين بدايات الإنسان وما يصبح عليه لاحقًا. وكان فرويد من أوائل من لفتوا الانتباه إلى أهمية سنوات الطفولة، وإلى أن بعض الخبرات المبكرة قد تترك أثرًا يمتد إلى الحياة بعد ذلك. لكن علم النفس اليوم ينظر إلى الإنسان بصورة أكثر اتساعًا؛ فالطفولة قد تؤثر فينا، لكنها لا تكتب وحدها القصة كاملة.

فقدان أحد الوالدين في الطفولة تجربة مؤلمة، وقد يترك مشاعر من الحزن أو الخوف أو عدم الأمان، وربما تظهر آثارها لاحقًا في صورة خوف من الفقد، أو صعوبة في الثقة، أو تعلق زائد بالآخرين، أو اعتماد شديد على النفس.

لكن التجربة الواحدة لا تنتج النتيجة نفسها عند كل إنسان.

فليس كل من فقد أحد والديه يصبح مضطربًا، وليس كل من نشأ في ظروف صعبة يظل أسيرًا لها.

وهنا يظهر سؤال أكثر أهمية: ماذا وجد الإنسان بعد ما حدث؟

هل وجد من يحتويه ويمنحه الأمان؟ هل كان قادرًا على التعبير عن حزنه ومخاوفه؟ هل وجد علاقة تمنحه الثقة والشعور بأنه ليس وحده؟

فالإنسان لا يتأثر بالحدث وحده، وإنما أيضًا بالطريقة التي عاش بها هذا الحدث، وبالأشخاص المحيطين به، وبالمعنى الذي تكوّن لديه عنه.

ومن هنا تأتي أهمية المرونة النفسية؛ أي قدرة الإنسان على التكيف مع الظروف الصعبة، واستعادة توازنه، والاستمرار في حياته رغم ما مر به.

والمرونة لا تعني أن الإنسان لم يتألم، أو أنه تجاوز كل شيء بسرعة. أحيانًا تكون القوة الحقيقية في الاعتراف بالألم وفهم أثره، بدلًا من الهروب منه.

وقد نكبر ونحن نحمل بعض الطرق التي تعلمناها في طفولتنا لحماية أنفسنا. فالطفل الذي تعلّم ألا يحتاج إلى أحد قد يكبر وهو يجد صعوبة في طلب المساعدة، ومن اعتاد إخفاء مشاعره قد يجد صعوبة لاحقًا في التعبير عن احتياجاته.

لكن الوعي بهذه الأنماط يمنح الإنسان فرصة للتغيير.

فحين نفهم لماذا نتصرف بطريقة معينة، يصبح لدينا اختيار أكبر: هل نستمر في النمط نفسه، أم نبحث عن طريقة أكثر ملاءمة لحياتنا الحالية؟

وهنا يصبح فهم الماضي مختلفًا عن العيش فيه.

فقد نحتاج إلى العودة لبعض الخبرات القديمة، ليس للبقاء داخلها، وإنما لفهم كيف يمكن أن تكون ما زالت تؤثر في مشاعرنا وعلاقاتنا وقراراتنا اليوم.

وهناك فرق كبير بين أن يكون الماضي جزءًا من قصتنا، وبين أن يصبح الماضي هو القصة كلها.

فالطفولة الصعبة لا تصنع بالضرورة إنسانًا مضطربًا، كما أنها لا تجعله أقوى بالضرورة. فالأمر يتأثر بطبيعة التجربة، والبيئة المحيطة، والعلاقات، والخبرات التي مر بها الإنسان بعد ذلك.

وأحيانًا يحتاج الإنسان إلى مساعدة نفسية متخصصة لفهم تجربة قديمة والتعامل مع آثارها، وهذا ليس ضعفًا، بل قد يكون خطوة نحو فهم الذات والتغيير.

في النهاية، لا يستطيع الإنسان اختيار طفولته أو إعادة كتابة بداياته، لكنه يستطيع مع مرور الوقت أن يكتسب قدرة أكبر على الفهم والاختيار والتغيير.

قد يترك الماضي أثرًا في الإنسان، لكنه لا يملك وحده أن يحدد مستقبله.

فقسوة البدايات لا تعني بالضرورة قسوة النهاية.

زر الذهاب إلى الأعلى