مقالات

من هواية بدأت عام 2011 إلى نجاح عربي واسع.. حكاية سيدة مصرية جعلت من الخياطة وسيلة للتمكين، ومن إعادة تدوير الملابس رسالة لدعم البسطاء

في قلب محافظة سوهاج، حيث تنطلق حكايات الكفاح والإصرار من قلب الحياة اليومية، استطاعت سماح عاطف السيد أن تصنع لنفسها مسارًا استثنائيًا، تحولت خلاله من سيدة شغوفة بالخياطة إلى واحدة من الوجوه المعروفة في مجال تعليم الخياطة وإعادة تدوير الملابس عبر منصات التواصل الاجتماعي، محققة نجاحًا لافتًا تجاوز حدود مصر ليصل إلى مختلف الدول العربية والجاليات المصرية في الخارج.

لم يكن طريقها مفروشًا بالنجاح منذ البداية، بل انطلقت رحلتها عام 2011، بالتزامن مع أحداث الثورة المصرية، عندما بدأت العمل في مجال الخياطة، واضعة نصب عينيها هدفًا يتجاوز مجرد إتقان حرفة أو تحقيق عائد مادي، وهو تقديم ما يساعد الفئات البسيطة على الاستفادة من الملابس المتاحة لديهم، وتوفير بدائل عملية تناسب إمكاناتهم المادية.

ومن هنا، بدأت تتشكل لديها فكرة إعادة تدوير الملابس، باعتبارها وسيلة تجمع بين الاقتصاد والإبداع والاستفادة من الموارد المتاحة، فبدلًا من الاستغناء عن الملابس القديمة أو تركها دون استخدام، سعت إلى تعليم الآخرين كيفية تحويلها إلى قطع جديدة يمكن الاستفادة منها، لتقدم نموذجًا عمليًا يؤكد أن الإمكانات المحدودة لا تقف عائقًا أمام الإبداع، وأن الأفكار البسيطة قد تصنع فارقًا حقيقيًا في حياة الكثيرين.

ومع مرور الوقت، أدركت أن رسالتها تستحق الوصول إلى شريحة أكبر من الجمهور، وأن خبرتها في الخياطة وإعادة التدوير يمكن أن تتحول إلى مصدر معرفة يستفيد منه الآلاف. لذلك، اتخذت في عام 2017 خطوة مهمة بإنشاء قناتها على موقع يوتيوب، لتبدأ مرحلة جديدة من رحلتها، لم تكن تتوقع أن تحقق خلالها هذا النجاح الواسع.

وبفضل الله، ثم اجتهادها واستمرارها في تقديم المحتوى الذي يخدم الجمهور، استطاعت أن تبني قاعدة جماهيرية كبيرة، وأن تصل إلى متابعين من مختلف أنحاء الوطن العربي، إلى جانب المصريين المقيمين في الدول الأجنبية، الذين وجدوا في محتواها فرصة لتعلم الخياطة والاستفادة من أفكار إعادة تدوير الملابس بسهولة.

وكانت أرقام المشاهدة شاهدًا على حجم هذا النجاح، إذ تجاوزت مشاهدات محتواها 52 مليون مشاهدة، في إنجاز يعكس مدى اهتمام الجمهور بما تقدمه، وقدرتها على تحويل خبرتها العملية إلى محتوى تعليمي يصل إلى البيوت دون حواجز جغرافية.

ولم يتوقف النجاح عند هذا الحد، فقد حصلت على الدرع الفضي من يوتيوب، تقديرًا لوصول قناتها إلى عدد المشتركين المؤهل للحصول على هذه الجائزة، ثم واصلت العمل والتطوير، وأنشأت قناة أخرى استطاعت بدورها تحقيق النجاح، لتحصل على الدرع الفضي الثاني، مؤكدة أن الاستمرارية والطموح قادران على فتح آفاق جديدة أمام أصحاب المواهب والأفكار المميزة.

لكن اللافت في مسيرتها لم يكن عدد المشاهدات أو الجوائز وحدها، بل حرصها على التفكير في احتياجات الفئات التي تسعى إلى خدمتها. فقد أدركت أن هناك أشخاصًا بسطاء قد لا تسمح لهم ظروفهم بمتابعة مقاطع الفيديو يوميًا أو التعلم بالوتيرة المعتادة، وهو ما دفعها إلى تقديم كورسات متخصصة في تعليم الخياطة للمبتدئات من الصفر، لتمنحهن فرصة التعلم من المنزل، واكتساب مهارة جديدة قد تساعدهن على تحسين ظروفهن المعيشية أو بدء مشروعات صغيرة خاصة بهن.

وهكذا، لم تعد الخياطة بالنسبة إليها مجرد حرفة، بل أصبحت وسيلة لنقل الخبرة، ودعم المرأة، وتشجيع الاعتماد على النفس، وفتح أبواب جديدة أمام كل من ترغب في التعلم والعمل، مهما كانت إمكاناتها أو ظروفها.

وامتد صدى نجاحها إلى وسائل الإعلام، حيث كانت ضيفة على قناة النهار، في خطوة تعكس حضور تجربتها بوصفها قصة نجاح تستحق الاهتمام، وتجربة مصرية استطاعت أن تجمع بين المهارة العملية والتواصل الرقمي والرسالة المجتمعية.

وعلى الصعيد الأسري، ترى أن النجاح الحقيقي لا يكتمل بالإنجازات المهنية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى أسرة تؤمن بالطموح وتساند صاحبه. فهي أم لثلاثة أبناء، وتفخر بوجود ابنة صغيرة موهوبة في مجال إعادة تدوير الملابس، تساعدها في مواصلة مسيرتها، وتمثل امتدادًا جميلًا لشغفها بالإبداع والعمل.

كما تؤكد أن دعم زوجها كان أحد أهم عوامل استقرار رحلتها واستمرارها، فقد وقف بجانبها، وشجعها على تطوير فكرتها، وتفهم طبيعة طموحها، وساندها في خطواتها المختلفة، لتجد في أسرتها مصدر قوة يدفعها إلى مواصلة النجاح وتجاوز التحديات.

إن قصتها تقدم نموذجًا مشرفًا للمرأة المصرية الطموحة التي استطاعت أن تحول موهبتها إلى رسالة، وخبرتها إلى علم ينتفع به الآخرون، وفكرتها البسيطة إلى مشروع وصل صداه إلى ملايين المشاهدين.

فمن محافظة سوهاج بدأت الحكاية، وبالإصرار والعمل توسعت الدائرة، لتثبت سماح أن النجاح لا يرتبط بحجم البداية، وإنما بصدق الهدف، والإيمان بالفكرة، والاستعداد للتطوير المستمر.

وتبقى رحلتها رسالة ملهمة لكل امرأة تمتلك موهبة وتحلم بتحقيق ذاتها، مفادها أن الخطوة الأولى، مهما بدت بسيطة، قد تكون بداية طريق طويل من الإنجازات، وأن دعم الآخرين ومشاركة المعرفة يمكن أن يجعلا من النجاح الشخصي أثرًا إيجابيًا يمتد إلى المجتمع بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى