لحين إشعار آخر… سلاح ذو حدين بين تقبّل الواقع وتأجيل الحياة

بقلم الاخصائيه النفسيه الإكلينيكية الأستاذة /مني عبده
هناك عبارة نستخدمها كثيرًا في حياتنا، ربما دون أن نتوقف عند معناها الحقيقي: «لحين إشعار آخر».
نقولها عندما نضطر إلى تأجيل قرار، أو التعايش مع ظرف لا نملك تغييره، أو الانتظار حتى تتحسن الأحوال. قد تكون العبارة في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل بداخلها معنيين مختلفين تمامًا؛ فقد تكون مصدرًا للأمل والقدرة على التكيّف، وقد تتحول إلى وسيلة نؤجل بها حياتنا دون أن نشعر.
الوجه الأول: أن نتقبّل الواقع دون أن نستسلم له
أحيانًا تفرض علينا الحياة ظروفًا لا يمكن تغييرها في الوقت الحالي. قد تكون ظروفًا مادية، أو ضغوطًا في العمل، أو علاقة يصعب حسمها، أو مسؤوليات لا تسمح لنا باتخاذ الخطوة التي نتمناها الآن.
في هذه اللحظات، لا يكون أمامنا دائمًا حل فوري، لكن يظل أمامنا اختيار مهم: كيف نعيش وسط هذه الظروف؟
هنا تصبح عبارة «لحين إشعار آخر» مساحة للتقبّل، لا للاستسلام. أن نعترف بأن الواقع ليس كما نريد، وأن بعض الأمور تحتاج إلى وقت، دون أن نتوقف عن الحياة أو نفقد الأمل في التغيير.
فالتقبّل لا يعني الرضا عن كل ما يحدث، ولا يعني أن نتخلى عن طموحاتنا، بل أن نرى الواقع كما هو، ونبحث عن المساحة المتاحة لنا للتحرك داخله.
قد لا نستطيع تغيير ظروف العمل اليوم، لكن يمكننا تطوير مهاراتنا والاستعداد لفرصة أفضل. وقد لا نملك إنهاء علاقة مرهقة في الوقت الحالي، لكن يمكننا وضع حدود تحمينا نفسيًا. وقد لا تسمح لنا الظروف بتحقيق حلم كبير الآن، لكن يمكننا الاقتراب منه بخطوات صغيرة.
الوجه الثاني: حين يتحول الانتظار إلى أسلوب حياة
لكن العبارة نفسها قد تحمل وجهًا آخر أكثر خطورة، عندما تتحول من وسيلة للتكيّف إلى مبرر دائم للتأجيل.
نؤجل أحلامنا حتى تتحسن الظروف، ونؤجل قراراتنا حتى نشعر بالاستعداد الكامل، ونؤجل سعادتنا حتى تتغير الحياة من حولنا.
ننتظر الوقت المناسب، والظروف المثالية، والاستقرار الكامل، وربما ننتظر أن تختفي مخاوفنا وتردداتنا قبل أن نبدأ.
لكن هل تأتي دائمًا تلك اللحظة المثالية؟
في بعض الأحيان، لا يكون ما يمنعنا هو استحالة الخطوة، بل خوفنا مما قد يحدث بعدها. فنختار الانتظار لأنه يمنحنا راحة مؤقتة من القلق والمواجهة، لكنه قد يحرمنا على المدى الطويل من فرص وتجارب كان من الممكن أن تغيّر حياتنا.
وهنا تتحول عبارة «لحين إشعار آخر» من مساحة للأمل إلى مساحة للاختباء، ومن تأجيل اضطراري إلى تأجيل لا نعرف متى ينتهي.
بين التقبّل والتأجيل… أين نقف؟
في علم النفس، وتحديدًا في العلاج بالقبول والالتزام (ACT)، توجد فكرة أساسية تُعرف بالمرونة النفسية. وهي قدرتنا على التعامل مع مشاعرنا وظروفنا كما هي، دون أن نسمح لها بأن تمنعنا تمامًا من التحرك نحو ما نراه مهمًا في حياتنا.
فليس مطلوبًا أن يختفي الخوف حتى نتخذ خطوة، ولا أن تنتهي كل المشكلات حتى نبدأ في الاهتمام بأنفسنا، ولا أن تصبح الحياة مثالية حتى نسمح لأنفسنا بأن نعيش.
قد نشعر بالقلق ونبدأ، وقد نكون غير واثقين تمامًا ونحاول، وقد تكون ظروفنا محدودة ومع ذلك نجد طرقًا صغيرة لنقترب مما نريده.
الفكرة ليست أن نتجاهل الواقع أو ننكر صعوبته، بل أن نفرّق بين ما لا نستطيع تغييره الآن، وما نستطيع فعله رغم وجوده.
الحياة لا تنتظر اكتمال الظروف
ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نقول «لحين إشعار آخر» حتى نستطيع الاستمرار، وهذا ليس ضعفًا. فبعض المراحل لا نملك إلا أن نعبرها بالصبر والتكيّف والأمل.
لكن علينا أن ننتبه إلى ألا تتحول العبارة إلى وعد مؤجل نكرره لأنفسنا كل يوم، بينما تمر الحياة دون أن نشارك فيها.
فليس من الضروري أن نمتلك كل شيء حتى نبدأ، ولا أن نصل إلى المكان الذي نحلم به حتى نشعر بقيمة الطريق.
هناك فرق كبير بين أن نعيش حياتنا وننتظر فرصة أفضل، وبين أن نؤجل حياتنا كلها حتى تأتي تلك الفرصة.
«لحين إشعار آخر»… تقبّلٌ لما لا نملك تغييره، وسعيٌ دائم نحو ما نستطيع تغييره.
