مقالات

الثقة لا يجب أن تكون بديلًا عن المستند، أخطر عمليات النصب لا تبدأ بالكذب، وإنما تبدأ بالثقة.

بقلم المحامي /تامر مجدي فوزي محامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا

فالنصاب المحترف لا يطلب منك أموالك في اللقاء الأول، ولا يقدم نفسه بالطبع باعتباره شخصًا جاء ليستولي عليها، وإنما يبدأ غالبًا من مساحة آمنة؛ معرفة، صداقة، قرابة، توصية من شخص تثق فيه، أو تعاملات سابقة مرت بسلام. وربما كانت البداية صفقة صغيرة حققت بالفعل ربحًا، ثم أخرى، حتى يصل المجني عليه إلى اللحظة التي يطمئن فيها تمامًا، فيدفع المبلغ الأكبر دون أن يشعر أنه يخاطر.

ومن واقع ما نراه في المنازعات المالية، تتكرر الحكايات وإن اختلفت الأسماء والأرقام: شقة سيتم شراؤها وإعادة بيعها، تجارة تحتاج إلى تمويل، ذهب سيتم تشغيله، مشروع بعائد مغرٍ، أو فرصة استثمارية قيل لصاحب المال إنها «مضمونة» ولا تحتمل الانتظار.

والمفارقة أن كثيرًا من الضحايا لا يملكون بعد وقوع المشكلة إجابة واضحة عن أبسط الأسئلة: أين ذهبت الأموال تحديدًا؟ ما طبيعة العلاقة القانونية بين الطرفين؟ هل كان المبلغ قرضًا أم مشاركة أم استثمارًا؟ وما المستند الذي يثبت الغرض الذي سُلِّم المال من أجله؟

هنا تظهر قيمة الورقة التي استُصغرت يومًا لأن «الثقة كانت موجودة».

وقد نظم المشرع المصري جريمة النصب في المادة 336 من قانون العقوبات، فعاقب على الاستيلاء على أموال الغير بطريق الاحتيال، وأورد من صور ذلك استعمال طرق احتيالية من شأنها إيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة، أو إحداث الأمل في ربح وهمي، وكذلك التصرف في مال ثابت أو منقول مع العلم بعدم ملكيته أو عدم وجود حق في التصرف فيه، فضلًا عن اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة.

لكن دقة النص تقودنا إلى مسألة شديدة الأهمية: ليس كل من أخذ مالًا ولم يرده نصابًا في مفهوم القانون.

فقد تكون هناك تجارة حقيقية خسرت، أو شراكة نشأ بشأنها خلاف، أو مدين عجز عن الوفاء بالتزامه، أو عقد أخل أحد أطرافه بتنفيذه. وقد يرتب ذلك حقًا في المطالبة أو الفسخ أو التعويض، لكنه لا يكفي وحده لإقامة جريمة نصب.

الفارق يكمن في الطريقة التي خرج بها المال من يد صاحبه.

هل سُلِّم في معاملة حقيقية ثم طرأ عليها التعثر والخلاف؟ أم أن صاحبه ما كان ليسلمه أصلًا لولا صورة غير حقيقية صُنعت أمامه لحمله على الدفع؟

ولذلك، عندما أفحص واقعة من هذا النوع، لا أتوقف كثيرًا أمام عبارة «أخذ أموالي ولم يردها». ما يعنيني أولًا هو ما حدث قبل تسليم المال: ماذا قال؟ ماذا عرض؟ بأي صفة تعامل؟ ما المشروع الذي تحدث عنه؟ هل كان موجودًا بالفعل؟ ما المستندات التي قدمها؟ وهل استعان بأشخاص أو وقائع أو مظاهر خارجية أضفت على حديثه قدرًا من المصداقية؟

فتلك التفاصيل قد تفصل بين نزاع مدني وجريمة نصب.

ومن هنا تأتي النصيحة التي ربما توفر على البعض سنوات من النزاع: الثقة لا يجب أن تكون بديلًا عن المستند.

إذا كنت ستدفع أموالًا في استثمار، فلابد أن تعرف طبيعة هذا الاستثمار، ورأس ماله، ونصيبك، وكيف توزع الأرباح والخسائر، ومتى وكيف تسترد أموالك. وإذا كنت تشتري عقارًا، فلا يكفي أن ترى العقار أو أن تعرف البائع منذ سنوات؛ افحص الملكية وصفة من يبيع وسلطته في التصرف قبل أن تدفع.

وإذا سلمت مالًا، فاحرص على وجود ما يثبت مقداره وتاريخ تسليمه وسببه وصفة من تسلمه. فالتحويل البنكي قد يثبت انتقال مبلغ من حساب إلى آخر، لكنه قد لا يكون وحده كافيًا لحسم طبيعة العلاقة التي انتقل المال بسببها.

ولا تستهين بالمراسلات الإلكترونية. رسالة كتبت في دقائق قد تصبح بعد سنوات قطعة مهمة في بناء الدليل، ولذلك فإن حذف المحادثات عند وقوع الخلاف أو الاحتفاظ بصور مبتورة منها قد يفقد صاحب الحق جزءًا مهمًا من الصورة.

أما عبارة «المكسب مضمون»، فينبغي أن تكون سببًا للسؤال لا سببًا للدفع.

فالتجارة الحقيقية تعرف الربح والخسارة، والاستثمار له مخاطره، وكلما كان العائد المعروض أكبر وأسهل وأكثر ضمانًا، كان واجبًا أن يكون السؤال أكثر إلحاحًا: من أين يأتي هذا الربح؟ وما النشاط الحقيقي الذي يولده؟

والأخطر أن بعض صور الاحتيال لا تقوم على أخذ المال والاختفاء فورًا؛ فقد يستمر الشخص فترة في دفع أرباح أو رد مبالغ صغيرة. وهذه المدفوعات قد تمنح صاحب المال اطمئنانًا أكبر، فيزيد استثماره، بينما تكون الثقة التي تكونت هي ذاتها المدخل إلى الخسارة الأكبر.

وإذا وقعت المشكلة بالفعل، فلا تجعل الرغبة في استرداد أموالك بأي طريقة تدفعك إلى خطأ جديد. لا تحذف رسالة، ولا تتخلص من مستند، ولا توقع مخالصة لا تدرك أثرها، ولا تتنازل عن إجراء قانوني مقابل وعد شفهي جديد بالسداد.

رتب الوقائع بالتواريخ، وحدد كل مبلغ تم دفعه وكيف تم تسليمه وما الذي قيل عند تسليمه، واحتفظ بالعقود والإيصالات والتحويلات والمراسلات، ثم دع التكييف القانوني يأتي بعد اكتمال الصورة؛ لأن القضايا لا تُبنى على مقدار الغضب، وإنما على مقدار ما يمكن إثباته.

لسنا مطالبين بأن نفقد الثقة في الناس، فالمعاملات لا تستقيم دون قدر من الثقة. لكن هناك فرقًا بين أن تثق في إنسان، وبين أن تجعل هذه الثقة هي الضمان الوحيد لأموالك.

ومن خبرة ساحات المحاكم، كثير من الأوراق التي بدت عند التوقيع مجرد إجراء زائد، أصبحت عند النزاع هي الفاصل بين حق أمكن إثباته، وحق ظل صاحبه يعرف أنه له دون أن يستطيع إقامة الدليل عليه.

لذلك، قبل أن تدفع: افهم. وقبل أن توقع: اقرأ. وقبل أن تستثمر: اسأل. ومهما بلغت ثقتك فيمن تتعامل معه، أثبت حقك.

فإذا بقيت الثقة، حفظ المستند الود… وإذا ضاعت الثقة، حفظ المستند الحق.

تامر مجدي فوزي
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
عضو اتحاد المحامين العرب

 

زر الذهاب إلى الأعلى