الكنز المفقود.. رؤية استراتيجية لتمكين المصريين بالخارج بقلم الكاتبة حنان منصور
الكاتبة حنان منصور
الكنز المفقود.. رؤية استراتيجية لتمكين المصريين بالخارج بقلم الكاتبة حنان منصور
كيف نغير واقع المصريين في الخارج؟ الكاتبة حنان منصور تقدم رؤية تحليلية حول مخرجات مؤتمر اتحاد الكيانات المصرية بأثينا، وتضع خارطة طريق لتمكينهم وتفعيل دورهم.
لطالما كان المواطن المصري في الخارج، بفكره وخبراته وانتمائه، هو الامتداد الطبيعي للجسد المصري الأصيل. إننا لا نتحدث هنا عن مجرد أرقام أو تحويلات نقدية، بل نتحدث عن “كنز مفقود” من الطاقات البشرية التي تسعى جاهدة لتكون ظهيراً حياً للدولة المصرية. لقد حالفني الحظ، بل وأصابني التوفيق، أن أكون جزءاً من هذا النسيج الوطني، ممثلةً في “اتحاد الكيانات المصرية في أوروبا”، ذلك الكيان الذي أؤمن يقيناً بأنه أحد أهم الأذرع الشعبية التي تعزز حضور الدولة المصرية على كافة المستويات الدولية.
إلا أن هذه الغبطة، وذلك الفخر بالانتماء، يعتصر قلبي أمامهما شعور بالألم والحزن؛ ففي الوقت الذي تشكل فيه هذه الكيانات حائط صد ودعم للدولة، لا نجد ذلك التواجد المأمول للدولة المصرية، أو التمثيل الرسمي الكافي داخل أروقة هذه الكيانات وما تنظمه من مؤتمرات حيوية داخل الاتحاد الأوروبي.
التحدي: جسر التواصل بين الفرع والأصل
على مدار سنوات من العمل العام بين أبناء الجاليات المصرية في أوروبا، تبلور لدي يقين راسخ بأن المواطن المصري في الخارج يحمل هموم الغربة ومشقاتها بيمينه، ويحمل حب الوطن وخدمته بيساره. إن هذه الكيانات والروابط ليست مجرد تجمعات اجتماعية، بل هي منظومة أهلية تسعى لترسيخ الروابط بين “الفرع” (المصري بالخارج) و”الأصل” (الدولة المصرية).
إن نجاح هذه العلاقة مرهون بمدى دعم الدولة لبعثاتها الدبلوماسية وقنصلياتها في كامل أراضي الاتحاد الأوروبي، ومدى تفعيل هذا التنسيق لدعم المواطن المصري الذي يمثل واجهة حضارية لبلاده. وهنا، أشدد على أن الحفاظ على هذا “الكنز المفقود” ليس ترفاً، بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها التحديات المستقبلية.
مؤتمر أثينا: خارطة طريق لمستقبل المصريين في أوروبا
في 30 مايو 2026، شهدت العاصمة اليونانية “أثينا” انعقاد مؤتمر اتحاد الكيانات المصرية في أوروبا، وهو حدث لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كان منصة خرجت بتوصيات جوهرية، إذا ما قُدّر لها التنفيذ، ستغير شكل العلاقة بين المصريين بالخارج والدولة المصرية. بصفتي الكاتبة حنان منصور، أرى أن هذه التوصيات تمثل خارطة طريق ملحة تخاطب الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية للالتفاف حول هذا الكيان، ليجني الجميع ثمار تعاون حقيقي ومثمر.
أبرز توصيات مؤتمر اتحاد الكيانات المصرية بأثينا
لقد خلص المؤتمر إلى مجموعة من النقاط المفصلية التي تعالج الإشكاليات الحالية، وتضع حلولاً عملية:
-
إعادة هندسة مؤتمرات الخارج: طالب المؤتمر بإعادة النظر في تنظيم المؤتمرات لتكون أكثر تخصصاً وفعالية، من خلال عقد مؤتمرات نوعية (أوروبا، كندا، أمريكا، أستراليا) في مقابل مؤتمرات أخرى (للدول العربية، أفريقيا، آسيا). كما شدد على ضرورة استطلاع آراء المصريين بالمواضيع المطروحة، وإشراك القنصليات في ترشيح الكفاءات القادرة على الإضافة، مع تشكيل لجنة مشتركة (خارجية وجهات معنية) لمتابعة التنفيذ.
-
التشريعات الاستباقية: ضرورة إجراء دراسات ومشاورات كافية قبل طرح أي تشريعات أو مبادرات تخص المصريين بالخارج، ضماناً لشموليتها وتجنباً لأي ثغرات.
-
تطوير المعاملات القنصلية: التأكيد على أهمية مراجعة رسوم المعاملات القنصلية بالتنسيق مع وزارات الخارجية والداخلية والمالية، لتخفيف العبء عن كاهل المغترب.
-
مكافحة الهجرة غير الشرعية: دعوة صريحة لإعادة تقييم استراتيجيات مكافحة الهجرة غير الشرعية، والاستعانة بخبرات أعضاء الكيانات، وفتح حوار مباشر لمناقشة هذا الملف الشائك.
-
الشفافية في قضايا المصريين: تعزيز دور الخارجية في متابعة قضايا المصريين بالخارج، خاصة قضايا الوفيات الغامضة، وضمان إعلان النتائج بشفافية تامة.
-
حَوْكَمة الكيانات الأهلية: دعوة الجمعيات والروابط للتسجيل لدى قطاع الهجرة بوزارة الخارجية وفق معايير واضحة، مع منح “شهادة اعتماد” دورية للجمعيات المتميزة، مما يشجع على العمل المؤسسي.
-
صناعة الإعلام الواعي: مطالبة الإعلام بتحري الدقة المهنية عند تقديم الشخصيات المصرية بالخارج، وعدم منح ألقاب أكاديمية أو مهنية غير موثقة، حفاظاً على الصورة الذهنية للمصريين في المحافل الدولية.

كلمة أخيرة: نحو شراكة حقيقية
إن ما قدمه مؤتمر أثينا 2026 ليس مجرد مطالب، بل هو دعوة للشراكة. إن الكاتبة حنان منصور، ومن خلال خبرتها في هذا الميدان، ترى أن استجابة الدولة لهذه التوصيات ستكون بمثابة رسالة طمأنة لكل مصري يعيش خارج حدود الوطن بأن صوته مسموع، وأن جهوده مقدرة.
آن الأوان لأن نتحول من مرحلة “التنظير” إلى “التطبيق”، وأن نعتبر كل مصري في أوروبا سفيراً لقوة مصر الناعمة، وليس مجرد مغترب. إنني أدعو وزارة الخارجية المصرية والجهات المعنية للنظر بعين الاعتبار إلى هذه التوصيات، باعتبارها ركيزة أساسية لبناء جسور من الثقة والعمل المشترك.
ختاماً، إن المصريين في الخارج هم الثروة التي لا تنضب، والكنز الذي يستحق الرعاية والتقدير، ولنبدأ معاً رحلة بناء منظومة تواصل حية، تعكس عظمة مصر وتليق بأبنائها في كل مكان.
لمتابعة المزيد من النقاشات والمقالات حول قضايا المصريين في الخارج، يمكنكم التواصل عبر الروابط التالية:
