مقالات

صناعة معلم القرآن.. رؤية حسن أبو شادي لتأهيل المعلمين بين العلم والتطبيق

حين يتحدث المهندس والباحث في علوم القرآن حسن أبو شادي عن التعليم، فإنه لا يتحدث عن مجرد تلقين معلومات أو نقل أحكام تجويد، بل عن مشروع كامل لصناعة المعلم نفسه. فبعد سنوات طويلة من التدريس الميداني ومتابعة آلاف الطلاب، تشكلت لديه قناعة أن الأزمة الكبرى في تعليم القرآن ليست في قلة الحفظة، بل في ندرة المعلم المؤهَّل القادر على الجمع بين العلم ومهارة التعليم.

بدأت هذه الرؤية مبكرًا، حين لاحظ أن كثيرًا من المتميزين في الحفظ يواجهون صعوبة في الشرح وإيصال المعلومة، بينما يفتقد بعض المعلمين القدرة على ضبط الأداء العملي. ومن هنا جاءت فكرة بناء برامج تدريبية تعتمد على التطبيق العملي المكثف، لا على المحاضرات النظرية وحدها.

ومن خلال تجربته في أكاديمية جدير للدراسات العلمية، صاغ حسن أبو شادي نموذجًا تدريبيًا يقوم على مبدأ أساسي:

أن الطالب لا يُعد معلمًا حتى يثبت قدرته على التعليم أمام لجنة متخصصة.

ولهذا صُممت دبلومة “تحفة الأجاويد” لتكون برنامجًا يمتد لعام كامل، بإجمالي 300 ساعة دراسية وتدريبية، تشمل التجويد والرسم والضبط، والنحو، وعلوم القرآن، والوقف والابتداء، إضافة إلى مهارات تدريب المدربين. ويشارك في البرنامج عشرة محاضرين رئيسيين من المتخصصين، من بينهم علماء في علوم القرآن والنحو والتدريب المهني.

ولم يكن الهدف مجرد تنويع المواد، بل بناء شخصية تعليمية متكاملة. فالاختبارات لا تقتصر على التحريري فقط، بل تشمل تقييمًا عمليًا مباشرًا لعدة محاور، منها عمق الفهم، ودقة الأداء، ومهارة الإلقاء، والقدرة على إيصال المعلومة بوضوح. ويصف حسن أبو شادي هذا الاختبار بأنه “المرحلة الفاصلة التي تميز المعلم الحقيقي عن الدارس العادي”.

الأرقام تعكس حجم التجربة بوضوح؛ فقد خرجت الدبلومة حتى الآن 22 دفعة بإجمالي يقارب 4000 طالب وطالبة، مع نسبة استمرار تصل إلى ما بين 80 و85٪ طوال العام الدراسي، وهي نسبة مرتفعة مقارنة ببرامج التدريب الممتدة. كما أن نسبة الامتياز بين الخريجين تصل إلى نحو 90٪، ما يدل على مستوى جديّة البرنامج ونوعية المتقدمين إليه.

ويشير حسن أبو شادي إلى أن انتشار الخريجين في محافظات صعيد مصر شكّل ظاهرة لافتة، إذ أصبحت تلك المناطق من أكثر البيئات إقبالًا على برامج إعداد المعلمين، وهو ما ساعد على نقل التجربة إلى مجتمعات جديدة.

ومع التحول العالمي نحو التعليم الرقمي بعد جائحة كورونا، اعتمدت الأكاديمية الدراسة الأونلاين بالكامل، مع الإبقاء على التخرج بصورة حضورية لضمان مصداقية التقييم، وهو ما أتاح وصول البرنامج إلى أكثر من 14 دولة حول العالم، من بينها السعودية والإمارات والمغرب وليبيا والسودان وتركيا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، إضافة إلى دول في آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا.

ويرى حسن أبو شادي أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الدارسين فقط، بل بقدرتهم على نقل العلم بعد التخرج. فالكثير من خريجي البرامج أصبحوا معلمين بدورهم، وبعضهم بدأ يقدم شروحًا ودروسًا استنادًا إلى منهج “تحفة الأجاويد”، مما خلق امتدادًا طبيعيًا للتجربة خارج حدود الأكاديمية.

وبينما تتجه مؤسسات تعليمية كثيرة نحو الاختصار والسرعة، يصرّ على أن إعداد معلم القرآن يحتاج إلى صبر وتدرج وتدريب عملي حقيقي، لأن المعلم – في رأيه – هو حجر الأساس في بناء الأجيال.

 

زر الذهاب إلى الأعلى