ثمانون عاماً على تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني وروابط تاريخية لا تُمحى بين القاهرة وأربيل

بقلم الدكتور /نبيل فزيع
في مشهد يعكس عمق الروابط التاريخية بين مصر والكورد، تحل علينا ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي انطلق في السادس عشر من آب/أغسطس عام 1946 ليكون صوتاً لنضال شعب عريق يبحث عن حريته وحقوقه المشروعة بقيادة الأب الروحي للكورد، الملا مصطفى البارزاني الخالد .
ثمانون عاماً مضت على ذلك المؤتمر التأسيسي الذي عُقد في بغداد، وأعلن عن ميلاد كيان سياسي أصبح اليوم أحد أبرز الأحزاب في المنطقة، ناضل من أجل عدالة اجتماعية وحقوق إنسان وحق تقرير المصير، مستلهماً تجارب الحركة التحررية الكوردية . لكن ما يزيد هذه الذكرى أهمية هو الخيط الرفيع الذي يربطها بتاريخ مصر الحديث، وتحديداً ذلك اللقاء التاريخي الذي جمع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مع الملا مصطفى البارزاني في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر عام 1958 .
في تلك الفترة، كانت القاهرة تعج بروح الثورة والتحرر، وقد وجد الكورد في جمال عبد الناصر، كما وجد غيرهم من شعوب المنطقة، قائداً يؤمن بأن القومية العربية لا تتعارض مع القومية الكردية، طالما كان الهدف المشترك هو مقاومة الأحلاف الاستعمارية . فلم يكن استقبال عبد الناصر للبارزاني مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل كان تأكيداً على إيمان راسخ بأن للأكراد حقوقاً مشروعة ضمن إطار الدولة العراقية والوحدة العربية الأوسع، وهو الموقف الذي عبر عنه الرئيس المصري بوضوح في ذلك اللقاء، معتبراً أن العدو الحقيقي للجميع هو الاحتلال الأجنبى والقوى الاستعمارية .
هذه العلاقة المتجذرة لم تقتصر على اللقاءات السياسية، بل تمتد لتشكل نسيجاً اجتماعياً وثقافياً فريداً في مصر. فمنذ قرون، وجد الكورد في مصر ملاذاً آمناً وبيئة خصبة للاندماج، بدءاً من عصر الدولة الأيوبية التي قادها صلاح الدين الأيوبي، مروراً بإنشاء أول مطبعة وصحيفة كردية في القاهرة ، وانتهاءً بتواجد رواق خاص بهم في الأزهر الشريف، مما أنتج شخصيات مصرية بارزة من أصول كردية ساهمت في إثراء الحياة الثقافية والفنية المصرية .
واليوم، يواصل هذا التقارب رسوخاً من خلال الجهود المباركة التي يبذلها مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة، برئاسة الدكتور شيركو حبيب. إذ يمثل هذا المكتب جسر تواصل حيوياً، حيث يقدم إسهامات غير مسبوقة في تعزيز العلاقات بين الشعبين المصري والكوردي، والتعريف بالقضية الكوردية العادلة في المحافل المصرية والعربية . إن هذه الأنشطة الدبلوماسية والثقافية تعيد إحياء روح التضامن التاريخي وتؤكد أن القاهرة كانت ولا تزال حاضنة لقضايا الشعوب المحقة، ونبراساً للحرية في المنطقة.
في هذه الذكرى الثمانين، نبعث تحية مملوئة بالورود إلى شعب كوردستان المناضل الذي لا يزال يسعى لتحقيق طموحاته، ونستذكر بعمق العلاقات التاريخية التي تجمعه بمصر، آملين أن تظل القاهرة وأربيل على ذات الدرب، طريق التضامن والعدالة، وأن تستمر مسيرة التعاون لتحقيق الأمن والاستقرار للشعبين الشقيقين.
