الجمهور قاضيًا.. حين تسبق السوشيال ميديا منصة القضاء.

بقلم الأستاذ : تامر مجدي فوزي
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
في دولة القانون، لا يُدان إنسان بـ«ترند»، ولا تثبت جريمة بعدد المشاركات، ولا تتحول رواية إلى حقيقة لمجرد أن مقطعًا مصورًا شاهده الملايين.
المشهد أصبح متكررًا؛ تقع الواقعة، وبعد دقائق تبدأ محاكمة موازية على مواقع التواصل الاجتماعي.
قبل انتهاء التحقيقات، وقبل سماع الشهود وفحص الكاميرات والتقارير والأدلة الفنية، يكون البعض قد حدد المتهم والدافع والجريمة، وأصدر حكمه أيضًا.
وهنا يبدأ الخطر.
فالدستور المصري حسم الأمر في المادة 96: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه».
وهناك فارق قانوني هائل بين الاشتباه والاتهام والإدانة.
فالاتهام لا يعني الإدانة، والرأي العام مهما بلغ حجمه لا يملك أن يحل محل القضاء.
ومن واقع عملي بالمحاماة، تعلمت أن كثيرًا من القضايا تبدو من الخارج محسومة، ثم تتغير الصورة تمامًا عندهن قراءة الأوراق.
فالفيديو له ما قبله وما بعده، والصورة لها مصدر وتوقيت، والشاهد تُناقش أقواله، والتسجيل قد يحتاج إلى فحص، والدليل لا تُعرف قيمته الحقيقية بعيدًا عن باقي عناصر الدعوى.
ثلاثون ثانية لا تختصر ملف قضية.
بل إن الأمر أصبح أخطر مع الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق Deepfake.
فلم يعد السؤال: ماذا رأينا؟
بل أصبح أيضًا: من أنشأ المحتوى؟ هل عُدّل؟ هل هو كامل؟ وهل ثبتت سلامته فنيًا؟
وهنا يظهر الفارق بين المعلومة والدليل.
حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة حقوق أصيلة، لكنهما لا يمنحان أحدًا سلطة إصدار حكم بالإدانة.
فهناك فارق بين أن تقول: «فلان متهم في واقعة قيد التحقيق»، وبين أن تقرر أنه «مرتكب الجريمة».
والفضاء الإلكتروني ليس خارج نطاق القانون؛ فالقواعد المتعلقة بالسمعة والخصوصية والنشر، إلى جانب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، تضع حدودًا لاستخدام التكنولوجيا متى تجاوز الأمر التعبير المشروع إلى فعل يعاقب عليه القانون.
كذلك فإن الدفاع عن المتهم ليس دفاعًا عن الجريمة.
المحامي لا يمنح البراءة ولا يصدر الإدانة، وإنما يدافع عن حق الإنسان في محاكمة عادلة، وعن أن يُناقش الدليل قبل أن يتحول الاتهام إلى حكم.
والتمسك بقرينة البراءة لا ينتقص لحظة واحدة من حق المجني عليه؛ فالعدالة تحمي حقه في الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤول، كما تحمي المتهم من الإدانة بغير دليل.
القضاء لا يعمل بمنطق التصويت.
مليون مشاركة لا تزيد قوة الدليل، و«الترند» لا يصنع يقينًا قضائيًا، وتكرار الرواية آلاف المرات لا يحولها بذاته إلى حقيقة.
لقد علمتني المحاماة أن الحقيقة القانونية كثيرًا ما تكون أكثر تعقيدًا من الرواية الأولى التي تصل إلى الناس.
ولهذا فإن احترام القضاء لا يبدأ فقط عندما يصدر حكمه.
احترام القضاء يبدأ عندما نرفض أن نحل محله.
ناقشوا الظواهر، طالبوا بحقوق الضحايا، وانقلوا المعلومات بمسؤولية، لكن اتركوا تحديد المسؤولية الجنائية لمن يملك أوراق القضية وسلطة الفصل فيها.
فالعدالة لا تُصنع بالترند، ولا تُقاس بالمشاهدات، ولا يصدر حكمها من خانة التعليقات.
العدالة دليل يُفحص، ودفاع يُسمع، وقضاء يقول كلمته وفق القانون.
تامر مجدي فوزي
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
عضو اتحاد المحامين العرب
