مقالات

حين تتكلم الورقة بعد سنوات الثقافة القانونية: معرفةٌ تحمي الإنسان في اللحظة التي يظن فيها أنه لا يحتاج إليها

 

بقلم تامر مجدي، محامٍ بالنقض وعضو اتحاد المحامين العرب

خرج رجلٌ من مجلسٍ عقده مع شريكه، مطمئنًا إلى أن الأمور واضحة بينهما. كان بينهما ودّ وثقة، ولم يخطر بباله أن يدوّن كل تفصيل؛ فالكلام، في ظنه، كان كافيًا. مرّت السنوات، وتغيّرت الظروف، ثم اختلف الاثنان. عندها لم يعد السؤال: ماذا قصد كلٌّ منهما؟ بل: ماذا اتفقا عليه؟ وما الذي يستطيع كل طرف إثباته؟

في لحظات كهذه، تتكلم الأوراق بعد أن يصمت أصحابها. ويكتشف الإنسان أن بعض المعرفة كان ينبغي أن يحصل عليها قبل أن يوقّع، أو يدفع، أو يطمئن إلى أن الأمور «مضمونة».

الثقافة، في جوهرها، معرفةٌ تتجاوز حدود المعلومة العابرة؛ معرفة تساعد الإنسان على فهم ما حوله، وتمنحه قدرةً على التمييز وحسن الاختيار. ولهذا يحتاج إلى ثقافات شتى: ثقافة طبية تعينه على فهم صحته، وثقافة غذائية تجعله أكثر وعيًا بما يأكله، وثقافة رياضية تدركه قيمة الحركة والنشاط. وهذه المعارف تتكامل، ولا يغني بعضها عن بعض.

لكن الثقافة القانونية، في تقديري، من أخطرها أثرًا. فالخطأ في بعض شؤون الحياة قد يكلّف الإنسان وقتًا أو مالًا؛ أما الخطأ في تصرف قانوني فقد يمتد أثره إلى حريته أو أسرته أو ملكيته أو مستقبله. وقد يبدأ الأمر بتوقيعٍ لم يُقرأ، أو مبلغٍ لم يُثبت تسليمه، أو تنازلٍ لم تُفهم عواقبه. وليس معنى ذلك أن نخاف من كل ورقة أو نشك في كل إنسان؛ بل أن ندرك أن حسن النية لا يغني عن المعرفة، وأن الثقة لا تمنع اختلاف الفهم حين تتبدل الظروف.

والثقافة القانونية ليست حفظ أرقام المواد، ولا ترديد عبارات من قبيل «القانون بيقول». إنها معرفة تساعد الإنسان على فهم حقوقه والتزاماته، وعلى إدراك أن الواقعة الواحدة قد يختلف حكمها باختلاف تفاصيلها وأدلتها وصفة أطرافها. لذلك لا يكفي أحيانًا أن نعرف نصًا عامًا؛ ينبغي أن نفهم متى ينطبق، وما حدوده، وما الذي قد يغيّر النتيجة.

ومن هنا يأتي السؤال الأهم: كيف نكتسب هذه الثقافة من مصدر صحيح؟

نبدأ بالتحقق من أصل المعلومة. النصوص تُؤخذ من مصادرها الرسمية، والتوعية تُستقى من شرح متخصص يبيّن القاعدة وشروطها واستثناءاتها. ثم نتعلم أن نسأل قبل أن نتصرف: ما الذي ألتزم به؟ كيف أثبت حقي؟ وما الأثر إذا لم ينفذ الطرف الآخر ما اتفقنا عليه؟ أما إذا كانت أمامنا واقعة بعينها، أو عقد أو مستند نريد أن نبني عليه قرارًا، فهنا لا تكفي المعرفة العامة؛ بل يلزم عرض التفاصيل والأوراق على محامٍ، لأن الرأي القانوني يتصل بما حدث فعلًا، لا بعنوان المسألة وحده.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، صار الوصول إلى المعرفة أسهل وأسرع، وهذه فرصة لا يصح تجاهلها. يمكن لهذه الأدوات أن تشرح مصطلحًا، وتبسط فكرة، وتساعد على ترتيب الأسئلة، أو تلفت الانتباه إلى نقاط تستحق البحث. وهذا دور مهم؛ لأنه قد يجعل الإنسان أكثر استعدادًا للحوار مع المختص وأكثر قدرةً على فهم ما يُعرض عليه.

لكن سهولة الوصول إلى الإجابة لا تجعل كل إجابة مرجعًا نهائيًا. فالذكاء الاصطناعي أداةٌ للمعرفة والتوضيح، وليس مصدرًا رسميًا للقانون، ولا بديلًا عن التحقق من النصوص والتعديلات، أو عن فحص مستندات الشخص ووقائعه. قد يقدّم شرحًا نافعًا، لكنه قد يغفل تفصيلًا يغيّر الحكم، أو يعرض قاعدة عامة لا تنطبق على الحالة الخاصة. لذلك تكون الاستفادة منه في أن يفتح باب الفهم والسؤال، ثم نتحقق من المعلومة ونستعين بالمختص حين تتعلق بحق حقيقي.

لا نحتاج جميعًا إلى أن نصبح محامين، لكننا نحتاج إلى قدر من الوعي يجعلنا نقرأ قبل أن نوقّع، ونوثّق ما نتفق عليه، ونتثبت من مصدر ما نسمعه، ونعرف متى تكون المسألة أكبر من اجتهادنا الشخصي. فالثقافة القانونية لا تمنع كل خلاف، لكنها قد تمنع خلافًا كان يمكن تفاديه، وقد تحمي حقًا لا يعرف صاحبه كيف يصونه.

وكم من ورقة بدت عادية يوم كُتبت، ثم بقيت وحدها تتحدث بعد سنوات. عندها لا تنفع المعرفة التي تأتي متأخرة؛ لذلك نحتاج الثقافة القانونية قبل أن نحتاج إلى القانون في خصومة.

للتواصل: مؤسسة تامر مجدي للمحاماة والاستشارات القانونية
العنوان: الفيوم – شارع السنترال – أمام كنفاني عبد الرسول
الهاتف: 01210300060

زر الذهاب إلى الأعلى