رسالة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان لطبيبة الإنسانية الدكتورة “هيا حجازي” الفلسطينية.

في زمنٍ قاسٍ يئن فيه قطاع غزة تحت وطأة الحصار والدمار، برزت قصص إنسانية ملهمة تصرّ على أن تشعّ نورًا وسط الظلام. من بين هذه القصص، تبرز الدكتورة هيا حجازي، الطبيبة الفلسطينية القادمة من غزة، والمتخصصة في أمراض النساء والتوليد، والحاصلة على البورد العربي، إلى جانب دبلوم الحقن المجهري ودبلوم الطب النسائي التجميلي.
لم يكن طريقها مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتحديات التي لا تنتهي. إلا أن شغفها بالعلم، وإيمانها بقدرتها على أن تكون يد العون للنساء الفلسطينيات، جعلها تتجاوز حدود المكان والزمان. بخبرة تجاوزت خمس سنوات في علاج العقم وتأخر الإنجاب، نجحت في أن تكون أملًا لكثير من السيدات اللواتي حُرمن من نعمة الأمومة في ظروف استثنائية وقاهرة.
لم تكتفِ الدكتورة هيا بعملها الأكاديمي والمهني، بل حملت على عاتقها رسالة إنسانية عظيمة. فمن قلب غزة، وفي وقتٍ كانت فيه المراكز الصحية شبه معدومة بسبب الحرب والحصار، قررت أن تكون قريبة من نساء القطاع عبر الاستشارات الطبية المجانية عن بعد.
كانت تتابع حالات الحمل لحظة بلحظة، وتقدّم نصائح دقيقة للنساء، محاولةً أن تعوّض غياب الخدمات الصحية الأساسية. هذه المبادرات جعلتها محطّ تقدير واسع بين أهل غزة، ورسّخت صورتها كطبيبة إنسانة قبل أن تكون متخصصة.
مع الوقت، انتقلت إلى فضاء أوسع، حيث سخّرت مواقع التواصل الاجتماعي لنشر المحتوى الطبي المجاني، وقدمت عبره سلسلة حلقات تثقيفية على يوتيوب، تشرح فيها بلغة بسيطة وشفافة قضايا حساسة مثل تأخر الإنجاب، الحقن المجهري، والرعاية الصحية للحوامل.
هذا الحضور الرقمي لم يكن مجرّد شهرة، بل وسيلة لإنقاذ مئات الحالات التي لم تتمكن من الوصول إلى الأطباء أو المستشفيات، خاصة في فترات العدوان والحصار.
بعد حرب الإبادة الجماعية والدمار الذي لحق بقطاع غزة، اضطرت الدكتورة هيا إلى استكمال مشوارها العلمي والمهني في مصر. وهناك، لم تنسَ رسالتها الأولى، بل واصلت متابعة الحالات القادمة من غزة، خصوصًا النساء الحوامل اللواتي نزحن إلى مصر هربًا من الحرب.
تحولت عيادتها الافتراضية والواقعية إلى ملاذ آمن لنساء فلسطين في الغربة، إذ قدّمت لهن رعاية خاصة، لم تقتصر على الجوانب الطبية، بل امتدت إلى الدعم النفسي والمعنوي في لحظاتٍ فقدن فيها الإحساس بالأمان.
ما يميزها ليس فقط مؤهلاتها العلمية أو خبرتها العملية، بل تلك الروح الإنسانية التي تدفعها دائمًا لتقديم يد العون دون مقابل. فهي تؤمن أن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة، وأن على الطبيب أن يقف بجوار مرضاه، خصوصًا في الأزمات.
وفي كل استشارة تقدّمها عبر الإنترنت، وفي كل حلقة تُبث على يوتيوب، تظلّ تحمل في صوتها الأمل، وفي كلماتها الطمأنينة، وكأنها تقول للنساء الفلسطينيات: “أنتم لستن وحدكن… أنا هنا بجواركن.”
قصة الدكتورة هيا أصبحت مصدر إلهام لكثير من الأطباء الشباب، الذين رأوا فيها نموذجًا حيًا على أن الإصرار والالتزام بالعلم يمكن أن يصنعا فارقًا حقيقيًا في حياة الناس. هي لم تكتفِ بأن تتحدى الظروف، بل حوّلت الألم إلى رسالة، واليأس إلى طاقة أمل وعمل.
اليوم، تواصل الدكتورة هيا حجازي مسيرتها ما بين العلم والعمل، بين غزة ومصر، بين شغف الطب ورسالة الإنسانية. هي ابنة فلسطين التي أثبتت أن العطاء لا تحدّه جدران الحصار، ولا توقفه الحروب، وأن قلب الطبيب الحقيقي يظلّ نابضًا بالرحمة مهما قست الظروف.
